الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٢٨ - (ه) الإلهيات فى العالم اللاتينى
و تأثر به مؤيدوه و معارضوه على السواء، و يكفى أن نشير إلى مثلين اثنين: روجر بيكون، و القديس توماس الأكوينى.
فأما الأول فمن أعرف مفكرى القرن الثالث عشر بحياة ابن سينا و مؤلفاته، و كان معجبا به الإعجاب كله إلى حد أنه كان يعدّه خير شارح لأرسطو و الممثل الحق للفكر العربى [١]. و راقه من «الإلهيات» أنه يقول بالبعث و السعادة الأخروية، و يسلم بالملائكة. و شاء أن يطلق على البابا لقب «خليفة اللّه فى أرضه» [٢]، على نحو ما صورت المقالة العاشرة من «الإلهيات» الخليفة فى الإسلام [٣].
و أما الثاني فيظهر أنه كان سينويا فى البداية، ثم تحوّل إلى معارض فيما بعد، و نقد القديس أوغسطين لا لشىء إلّا لأن فى آرائه شبها وصلة بالآراء السينوية [٤]. و مع هذا كان يتحدث عن ابن سينا دائما باحترام و تقدير، فلم يقل عنه قط ما قال عن ابن رشد من أنه كان مشوها للحقائق. و أخذ عنه أشياء مختلفة، بنصها أو بشيء من التعديل، كالقول بالصور الجسمية، و قسمة الشرور إلى أنواع ثلاثة، و أن اللّه لا جنس له، و أن وجوده و ذاته شىء واحد، و أنه واجب الوجود بذاته. و يكاد يدور نقده حول المسائل التي تتعارض مع التعاليم الدينية، كالعلم الإلهى و قصره على الكليات، و نظرية الصدور و تعارضها مع قدرة اللّه و حرية الفرد. و هنا يلتقى القديس توماس فى الغرب بحجة الإسلام الغزالى فى الشرق، و يردد اعتراضات شبيهة بما ورد فى «تهافت الفلاسفة».
و ما إن جاء القرن الرابع عشر حتى بدأ المذهب الرشدى يطغى على المذهب السينوى، و لكن لم يخفت صوت ابن سينا على كل حال، و بقى يردد فى هذا القرن و القرنين التاليين.
و قد قيل باتصال تاريخى، أو فكرى على الأقل، بين بعض النظريات السينوية و نظريات لديكارت و بسكال. و منذ القرن الماضى عنى أتباع القديس توماس بالبحث عن مصادر
[١] R .de Vaux Notes et textes p .٦٨ .
[٢] Notes et textes op .cit .
[٣] ابن سينا، الإلهيات، ج ٢، ص ٤٥١- ٤٥٤.
[٤] E. Gilson, Pourquoi St. Thomas a critique St. Augustin, Archiues, Tome I, Paris ١٠٢٦.