الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٢٩ - (ه) الإلهيات فى العالم اللاتينى
تفكيره لدى ابن سينا، إلى جانب عناية المستشرقين بالفيلسوف الإسلامى. و كان العيد الألفي لذكراه فرصة مواتية لإثارة مشاكل و دراسات مختلفة حوله فى الغرب لا تقل عما أثير فى الشرق، و كان «للإلهيات» من تلك الدراسات حظ أوفر.
فى كل هذا ما يشهد بأن «الإلهيات» كتاب ذو غاية و أثر و تاريخ. فأما غايته فهى التوفيق بين الفلسفة و الدين، و لتحقيق ذلك وضع ابن سينا مبادئ لم يبتكرها جميعا، و لكنه عرف كيف ينسّقها و يلائم بينها، بحيث أضحت فى ثوبها الجديد من صنعه و تأليفه. و قدّر لها أن تبقى دعائم للفلسفة الإلهية عدة قرون.
و أما أثره فيرجع إلى أنه كتب بلغة عصره و روحه، فصادف هوى و سدّ حاجة، و نفذ إلى المدارس المختلفة المؤيدة و المعارضة. ففى الشرق نجد الغزالى يأخذ عنه فى الوقت الذي يحمل عليه حملة قاسية، و فى الغرب لم تمنع معارضة القديس توماس له من أن يتأثر به.
و لم يقف أثره عند المدارس الإسلامية و المسيحية، بل امتد إلى المدارس اليهودية، و كان بعض مفكرى اليهود فى القرون الوسطى منه بمثابة التلاميذ و الأتباع.
و أما تاريخه فيصعد إلى أثينا فى أوجها الفكرى، و يمر بالاسكندرية، و ينتهى إلى بغداد. ثم ينتقل إلى طليطلة، و منها إلى باريس و أكسفورد، و له أصداء فى التفكير المعاصر. يصدر عن «ميتافزيقى» أرسطو أولا، و لكنه يعدّلها و ينقّحها فى ضوء ما جاء به الشراح المتأخرون، و ما أملته عليه بيئته و عقيدته. و استطاع بهذا أن يتآخى مع فلسفات دينية مختلفة شرقية و غربية. قد يكون فى اقترانه بأرسطو ما ساعد على ذيوعه و امتداد أثره، و لكنه استطاع بنفسه أن يبعث فى الغرب إبان القرن الثالث عشر مذهبا سينويا اقترب من أوغسطين و أفلاطون بقدر ما ابتعد عن أرسطو و المشائية. و لا يزال الباحثون يكشفون فيه عن نواح تربطه بمثل ديكارت، أو تقربه من مثل برجسون، و يأبى مفكرو القوقاز اليوم إلا أن يعقدوا نسبا بينه و بين المادية الجدلية.
و نحن على يقين من أن نشر كتاب «الإلهيات» سيغذى هذه الدراسات المتصلة.
و قد عكف على تحقيقه أربعة من أصدقاء ابن سينا و دارسيه، و هم الأب جورج شحاته