الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٢٤ - ٩- العناية
و منها القحط و الجدب [١]. و كم يذكرنا هذا بتلك القسمة الثلاثية التي قال بها ليبنتز بعده بنحو سبعة قرون، و تقوم على تقسيم الشرور إلى ثلاثة أقسام: طبيعية، و أخلاقية، و ميتافزيقية [٢].
و إذا كان الشر موجودا، فكيف نوفّق بينه و بين عناية اللّه و خيرية العالم؟ هذا ما أجهد ابن سينا نفسه فى توضيحه، ملاحظا أن هذه الشرور لا تتنافى مع العناية فى شىء.
ذلك لأنها طفيفة و جزئية، فلا توجد إلا فيما تحت فلك القمر، أما عالم السماوات فخير كله، و لا جدال فى أن عالم الأرض أصغر بكثير من عالم السماء. على أن الشرور الأرضية نفسها محدودة، فهى لا تصيب إلّا أشخاصا و فى أوقات معينة، فى حين أن الأنواع محفوظة و الفرد لا أهمية له بجانب النوع [٣]. و هناك شرور ظاهرية، أو إن شئت نسبية، ليست شرا فى ذاتها، كالجهل بالفلسفة أو الهندسة يكون شرا بالنسبة لأناس، و لا ضير فيه على آخرين [٤]، و كالنار تكون شرا إن أحرقت الناسك الفقير، و خيرا إن ساعدت على نضج الطعام [٥]. و هناك شرور صغيرة توصل إلى خير محقق، و تقى من شر أعظم، و كثيرا ما تحدثوا عن أخف الضررين و أهون الشرين، دون أن يتعارض هذا مع كمال الكون و صلاحه [٦]. و وجود هذه الشرور لا يعنى أنها غير مرادة، فإن الحكمة فيها واضحة و المصلحة منها ظاهرة، و لا غضاضة مطلقا من دخول الشر فى القضاء الإلهى [٧]. و لن يحول دخوله دون القول بخيرية العالم، لأن أكثريته فى جانب الخير، و ليس فى الإمكان أبدع مما كان [٨].
[١] المصدر السابق، ص ٤١٥.
[٢] Leibnitz ,Theodicee ,I Partio .٢١ .
[٣] ابن سينا، الإلهيات، ج ٢، ص ٤١٧.
[٤] المصدر السابق.
[٥] المصدر السابق، ص ٤٢٠.
[٦] المصدر السابق، ص ٤١٨.
[٧] المصدر السابق، ص ٤٢١.
[٨] المصدر السابق، ص ٤٢٠؛ جميل صليبا، الكتاب الذهبى، ص ١٩٠- ١٩٩.