الشفاء - الإلهيات - ابن سينا - الصفحة ٢٠ - ٧- المبدأ الأول

و المبدأ الأول واحد من جميع الوجوه، واحد فى ذاته، واحد فى صفاته. فلا شريك له، و لا ندّ، و لا ضد. برئ من المادة و علاقاتها، فلا كمّ له، و لا كيف، و لا أين، و لا متى. و إذن لا جنس له، و لا فصل، و لا نوع، و لا حد، و لا ماهية. و لا برهان عليه أيضا، لأنه برهان نفسه، و برهان كل شى‌ء سواه. و يمكن أن يقال إنه جوهر، بل هو الجوهر الحق فى الواقع، إذ لا يوجد فى موضوع بحال، و لكن الأولى ألا يطلق عليه هذا اللفظ [١].

و هو خير محض، لأنه وجود تام، و الوجود خير دائما، و مصدر الخيرات و الكمالات كلها [٢]. مبرأ من كل عيب و نقص، فهو جمال و كمال و بهاء، بل هو غاية فى كل ذلك، و مصدر الكمال و البهاء فى كل شي‌ء [٣]. هو الحق المطلق الذي لا يرقى إليه أى شك، و الاعتقاد بوجوده جازم صادق‌ [٤]. يعشق ذاته التي هى مبدأ كل نظام، فهو عاشق و معشوق فى آن واحد، إلا أن عشقه لا حركة فيه و لا انفعال‌ [٥].

و أخيرا هو عقل محض يعقل ذاته، فهو عاقل و معقول، و ليس فى ذلك تعدد البتة لأنه ينصب على شى‌ء واحد [٦]. و هو فى عقله لذاته يعقل أنه مبدأ كل شى‌ء، فيعقل الموجودات جميعها على نحو كلى لا تشوبه شائبة التغير و لا يختلط بالزمن‌ [٧]. و كثرة المعقولات لا تؤدى إلى كثرة فى ذاته، لأن تكثرها إنما يتم بعد انفصالها عنه‌ [٨]. يعقل الأسباب فيعقل مسبباتها، و بذا يحيط علمه بكل شى‌ء، «لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات و لا فى الأرض» [٩].


[١] المصدر السابق، ص ٣٤٤- ٣٥٤.

[٢] المصدر السابق، ص ٣٥٦.

[٣] المصدر السابق، ص ٣٥٦، ٣٦٨- ٣٦٩.

[٤] المصدر السابق، ص ٣٥٦.

[٥] المصدر السابق، ص ٣٦٣.

[٦] المصدر السابق، ص ٣٥٧.

[٧] المصدر السابق، ص ٣٥٩.

[٨] المصدر السابق، ص ٣٥٩، ٣٦٠- ٣٦٢.

[٩] المصدر السابق، ص ٣٥٩.