مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٣٨٨ - إطلاق دليل الجزئيّة لحال النسيان
على ما هو عليه من الظهور في البعث الإلزامي، مع أنّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بها في الصلاة الاستحبابيّة ليس إلزاميّاً.
فإذا أبطلنا في المقام إرشاديّة هذا الأمر ونفي المولويّة عنه، فلابدّ من استئناف جواب آخر فنقول: قد يفرض أنّ المولى بصدد بيان أنّ وجوب السورة ملازم لوجوب الصلاة بحيث كلّما كانت الصلاة واجبة فالسورة واجبة، ولازم ذلك سقوط وجوب الصلاة عند سقوط وجوب السورة بالعجز عنها مثلاً، وهذا المطلب يمكن للمولى تفهيمه بصيغة العموم بأن يقول: كلّما وجبت الصلاة فقد وجبت السورة، فيفهم العبد الملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب السورة، ولازم ذلك أنّ سقوط وجوب السورة يستلزم سقوط وجوب الصلاة، ومن المقبول عرفاً أن يعوّض المولى عن أدوات العموم بمقدّمات الحكمة فيقول: إذا وجبت الصلاة فاقرأ السورة فيها، وإذا أمكن عرفاً بيان ذلك بالإطلاق فمن الممكن أن يُدّعى أنّ المتفاهم عرفاً من الأمر بالجزء هو الإطلاق بهذا المعنى، أي: كونه في مقام بيان الملازمة المطلقة بين وجوب الصلاة ووجوب السورة، وهذا الفهم العرفي ثابت وصحيح، ولذا ترى أنّ العلماء لا يزالون يستفيدون من الأمر بالجزء الجزئيّة حتّى في حال العجز، إلى أن أورد المتأخّرون منهم الإشكال بأنّ الأمر يختصّ بالقادر، فاضطرّوا في مقام التوفيق بين الفنّ وفهمهم العرفي إلى الجواب بأنّ الأمر هنا إرشاد إلى الجزئيّة.
ونحن نستفيد من الأمر بالجزء الإطلاق بهذا المعنى، أي: بمعنى كون الملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب الجزء مطلقة، ولازمهُ سقوط وجوب الصلاة عند العجز عن الجزء، لا بمعنى ثبوت وجوب الجزء حتّى في حال العجز عنه، كي يقال: إنّ التكليف مشروط بالقدرة.
ولا يقال: إنّ هذا الإطلاق يقطع بخلافه في فرض النسيان إمّا تخصيصاً أو تخصّصاً.
فإنّه يقال: إنّنا لم نفهم من إطلاق الكلام إطلاق ذات وجوب السورة، بل قلنا: إنّ الإطلاق إنّما هو بداعي بيان الملازمة، وهذا لا يعلم إجمالاً بتخصيصه أو تخصّصه; لاحتمال ثبوت الملازمة حتّى في حال النسيان، فيكون أصل الصلاة ساقطاً عنه، والذي قطعنا بخلافه إنّما هو ثبوت اللازم أعني وجوب السورة لا الملازمة[١].
[١] دعوى أنّ مفاد الإطلاق عرفاً هو الملازمة بين وجوب الفعل ووجوب جزئه بعيدة فيما إذا كان المركّب مستحبّاً دائماً، لا واجباً في بعض الاحيان، بأن يقال: رغم عدم وجوب الكل أبداً كان المولى بصدد بيان الملازمة بين وجوب الكل ووجوب جزئه.
فالاُولى دعوى أنّ مفاد الإطلاق عرفاً في الأمر بالجزء هو الملازمة بين الإتيان بالفعل صحيحاً ووجوب جزئه، ولازمه أنـّه حينما لا يمكن إيجاب الجزء للعجز عنه يستحيل الإتيان بالفعل صحيحاً.
وبكلمة اُخرى: أنّ الأمر بالجزء مفاده المباشر هو البعث إلى الجزء الداعي الذي يكشف عنه هذا البعث هو الجزئيّة، والعرف هنا حَمَلَ الإطلاق لحالة العجز بعد استحالة إطلاق المفاد المباشر ـ وهو البعث ـ على كونه بداعي بيان إطلاق الجزئيّة، وهذا يختلف عن فرض كون الأمر بالجزء إرشاداً محضاً إلى الجزئيّة كما قال به الأصحاب، والسرّ في استهجان التصريح بالإطلاق أنّ هذا التصريح يقوّي ظهور الكلام في ارتباط الإطلاق بنفس المفاد المباشر للأمر وهو البعث.