في رحاب بيت الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - نحو قراءة جديدة للحج

القرآني المشار إليه بمثابة البشرى أو التبشير بما سيأتي في المستقبل، حيث تقاوم دولة الحق في الدنيا قبل الآخرة. إن هذه أهداف أو محتويات أو سياق عام لسورة الحج المباركة، ومن هنا ينبغي التيقن بأن للحج هدفاً سامياً لابد من تتبّعه والبحث عن تطبيقات له في حياتنا كأفرادٍ وكأمةٍ واحدة بإذن الله عز وجل.

لقد دُعي الحجيج إلى ضيافة الرحمن ومائدته المباركة الواسعة، وإلى يوم عرفة، حيث تنبسط عند موقفها العظيم رحمة الله اللامتناهية، فتنال كل واحدٍ من الحجاج رحمةٌ؛ بقدره، أي بمستوى استيعابه وتطلعه وهمته وقابليته على الأخذ؛ تماماً كماء المطر النازل من السماء يسيل في الوديان على قدرها، أو كأشعة الشمس ونورها البازغ على الجميع فيستفيد من يستفيد على حجم قابليته واحتياجاته .. فعلى الحجاج أن يهيئوا أنفسهم وينموا فيها قدرة استيعاب الرحمة الإلهية ما وسعهم .. وقد قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:" إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها" [١]. أي أن كل قلب يستطيع الاستيعاب أكثر، كان أكثر قرباً إلى خالقه تبارك اسمه. فالله يريد لعبده أن يأخذ منه الكثير الكثير، لأنه ليس بالرب البخيل، وليس تُنقص خزائنه كثرة العطاء، والإنسان من ناحيته يلفه الجهل بأساليب استيعاب الكرم الإلهي، فجعل له الله فرصة الحج كوسيلة من وسائل الاستيعاب. فإذا كان العبد قد قدم على وادي عرفات وهو لا يزال يجهل أو يتجاهل هذه الفرصة العظيمة، فحقه أن يعود خائباً، لأنه لم يطلب من ربه الغني الكريم سوى توافه المطالب، ولم يدعه إلا بأضعف الإيمان والتصديق.


[١] - بحار الأنوار، ج ١، ص ١٨٩.