في رحاب بيت الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام
بين المسلمين، وغير ذلك من الفوائد الحضارية والاجتماعية الجمّة، قال بعد كل ذلك: اذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج/ ٣٩). وفي ذلك إشارة واضحة ومباشرة إلى أن من أكبر ثمرات إقامة الحج بصورته الصحيحة، هو أن يكون الإنسان والجمع الحاضر على حدٍ سواء مؤهلًا لأداء فريضة الجهاد المقدسة؛ الجهاد الذي يقام به فعلًا صرح الأمة الواحدة المؤمنة.
فالحجاج يعودون إلى مجتمعهم ببصيرة إيمانية وعزم إسلامي راسخ نابع من النفوس المزكّاة، والقلوب المطهرة القادرة على خوض ساحات الجهاد؛ جهاد النفس المتواصل، وهو الجهاد الكبر، وجهاد الأعداء بأشكالهم وصورهم المتعددة، وهو الجهاد الأصغر .. فيستعدون عبر التزود بالروح العالية إلى إقامة الحق في العالم بأسره، لأنهم الحجاج قد جاؤوا من بقاع العالم بأسره، ولأن فريضة الحج أساساً. فريضة عالمية جمعية، ويشير إلى ذلك ويؤكده بأروع صوره قول الله سبحانه فيما بعد: الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الارْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الامُورِ (الحج/ ٤١). ثم يقول في آخر آية من سورة الحج المباركة: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج/ ٧٨).
إن الأمة الإسلامية هي أمة الحج، وهي الأمة الواحدة بالحج، وهي الأمة المجاهدة التي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتفرض حكم الله في أرضه ... مستعينةً بما تركه الحجُ فيها من تقوى واتحاد وتعاون ..
والحج هو الصفة البارزة لكل المسلمين على اختلاف أحوالهم وظروفهم وهيئاتهم، لأن مختلف أنواع الفرائض الشرعية متوفر في الحج، كالصوم بدل الهدي، والصلاة في الطواف، والإنفاق في الهدي، وغير ذلك. ولذلك كانت أمة الحج الحقيقي أمة مسلمة