في رحاب بيت الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام

وتعالى: إِنَّ هَذِهِ امَّتُكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الانبياءِ/ ٩٢)، حيث تزال مختلف الحواجز المصطنعة بين المسلمين؛ فلا عربي ولا أعجمي ولا أوروبي، ولا أبيض ولا أسود، ولا غني ولا فقير، ولا عالم ولا جاهل، ولا هذا ولا ذاك .. فهذه كلها فوارق مصطنعة لا ينبغي أن تذكر في الحج، ولابد من تلاشيها وانعدامها هناك .. ودليل ذلك وآيته أن الله سبحانه وتعالى قد سنّ لجميع الحجاج دون استثناء مجموعة قوانين، وأمرهم بالالتزام بها، والتظاهر بها كلهم، كأمرهم بإبطان النية الخالصة للتقرب بها إلى الله سبحانه.

فالزينة والتزين، والجدال والفسوق وغير ذلك حرام على جميع الحجاج بلا استثناء، وعلى الجميع أن يتفكروا ويعوا حقيقة هذه القوانين وجوهرها، وأنها إنما سُنت لإزالة الفوارق، ولدفع الذات نحو الإندكاك في حقيقة الإسلام، وتحصيل التقوى، فيسلموا جميعاً لله تبارك وتعالى، لأنه إله الجميع.

إن التسليم الخالص والقاطع لله يعني أن يقف الإنسان الحاج كما يقف جميع الحجاج في عرفات أو في المشعر .. وكذلك يحرم ويطوف ويفيض ويسعى .. ليعلن لربه أمام مرأى الجميع أنه يتمحور حول إرادة الله وحده لا شريك له، فيرفض الجبت والطاغوت والأوثان بمختلف أشكالها.

ومن يحترم شعيرة الحج العظيمة يكون حرياً بأن يدخل في رحاب التقوى التي قال عنها عز اسمه في موقع قرآني آخر: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج/ ٣٢). التقوى التي يطلبها الله من الإنسان.

الحج مقدمة الجهاد

من يلاحظ السياق القرآني ويتدبر فيه، يجد أن الله سبحانه وتعالى قال بعد أن بيّن فريضة الحج وما فيه من فائدة تعود بالتقوى والوحدة