في رحاب بيت الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام

ثالثاً: إن الحج فرصة للإخاء، لأنه من يذهب إلى أداء المناسك لا يذهب لوحده، بل الحجاج يذهبون كلهم كمجموعة واحدة في أشهر محددة ومعلومة، وكذلك هم يمارسون فرائضهم وسننهم هناك على شكل مجموعة واحدة أيضاً. فالحج إذاً فرصة للقاء الإنسان بالإنسان.

ولعل الحكمة في إتاحة هذه الفرصة هو ردم الفواصل ودحرها؛ الفواصل التي تتجسد بحد الذات والأنانية والروح الفردية التي يثيرها الحمية والحسد وسوء الظن بالآخرين، وما أشبه ذلك. وإن من جميل ما يذكر في هذا المقام ما أكده بعض الفقهاء الكرام وذهب إليه من استحباب قراءة دعاء مكارم الأخلاق في موسم الحج. وهو الدعاء ذو الفائدة العظيمة، حيث فيه شحنات دفع قوية جداً لتزكية النفس وتصفيتها من الأخلاق السيئة، ولتكريس الأخلاق الحسنة فيها، حتى يعود الناس إلى بعضهم. فإذا عادوا من الحج عادوا بزاد ثمين، وهو الطيب من الإخوان. وبذلك يوحي قوله تبارك وتعالى: أَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (الحج/ ٢٧)، حيث جاء بصيغة العموم وليس بصيغة الإنسان المفرد.

إذن؛ فمسألة الحج هي مسألة جمعية واجتماعية ليشهد الحجاج منافع لهم في بيت الله الحرام الذي وضع للناس كافة، حيث كان الهدف الأسمى منه إذابة البشرية في بوتقة واحدة، فيتحدوا ويتعاونوا فيما بينهم.

إن الحج من شعائر الله سبحانه وتعالى، ونحن في هذا الموسم العظيم نعلن للعالم جميعاً بأننا أمة واحدة، انطلاقاً من قول الله تبارك