في رحاب بيت الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام
هذا المطلب الإنساني الرفيع، حيث نعود من الحج بمعيتنا إرادة إيمانية فولاذية تتحدى المشاكل وتنتصر على وساوس الشيطان. فالله عز وجل قد أمرنا قاطعاً بمحاربة الشيطان واتخاذه عدواً مباشراً، والله نفسه هو الذي سمى موقع الصلاة بالمحراب؛ أي ساحة الحرب ومنطقة المعركة التي يحارب المصلي فيها شيطانه، فإذا عاد الإنسان من الحج ولما يزْددْ عزيمة أو تتضاعف قوة إرادته، فإن حجه لن ينفعه بالشكل المطلوب.
وربنا العزيز الحكيم حينما يأمرنا بالحج قائلًا: لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (الحج/ ٢٩)، وهو القائل بعد ذلك: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (الحج/ ٣٠). وتعظيم الحرمات، يعني احترام الإنسان ما أوجبه الله عليه؛ فيحترم البيت الحرام، ويطوف به، وهو بين هذا وذاك يجتنب الرجس من الأوثان بعزمه وإرادته .. ولا ريب أن الوثن هو الخضوع لغير الله عز وجل، وأن كل ما لا يتصل بحبل الله فهو وثن تجب محاربته واجتنابه. فإذا عبد ابن آدم صخرة؛ أصبحت وثناً، وإذا عبد بقرةً تحولت وثناً، وإذا خضع لإنسان مثله من دون الله واتخذه ولياً، صار هذا وثناً أيضاً.
ولكن الحج كله؛ بسكناته وحركاته ولفتاته عبادة لله الواحد الأحد، وهو يساعد الإنسان ليكون حنيفاً لله، فيتطهر وينقى ويصبح مبيض الوجه والقلب معاً .. وقد قال سبحانه وتعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (الحج/ ٣٠- ٣١) وهذه هي الحكمة المتعالية من سن فريضة الحج وأدائها.