الحج ضيافة الله - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - في استقبال ايام الحج
الحقائق الملكوتية. ولعل في كل شرط من الشروط التي يجب أن تتوافر في ملابس الاحرام، يمكن رمز من رموز العرفان والزهد والتوجه الخالص الى البارئ سبحانه وتعالى. فالتجرد من الثياب العادية يرمز الى التجرد من الذاتية والأنانية، وكأن المحرم يعلن عن أنه ليس ذلك الانسان السابق الغريق في أو حال المادة. وهذا التجرد يعني في الوقت ذاته الاعلان عن الدعاء والتضرع والاستعداد لتلقي الرحمة الإلهية.
ولقد رأيت بنفسي بعض الحاج لايكاد يجرؤ على لبس ثياب الاحرام أو أداء شعار التلبية شكاً في نفسه من أن يكون كاذباً في عمله أو مدّعاه؛ وخوفاً من ربّه العزيز أني يبادره بالإعراض والجفاء تبعاً لذلك. ورأيت أعينهم تفيض من الدمع، وجلودهم تقشعرّ من الخوف في تلك اللحظة العظيمة؛ لحظة الاحرام والتلبية.
الآن وقد عزمنا على الذهاب الى عرفات [١] ونستعد لطيّ المسافة، لابد لنا من أن نعرف قبل كل شيء أن الله تبارك وتعالى قد تفضل علينا قبل كل ذلك باختزال هذه المسافة، حتى لتكاد الفاصلة بين السماء والارض لتنعدم وتتلاشى.
ولابد ان يستحضر كل منا ان اول واجب يقع على عاتق الواقف بعرفات، هو واجب معرفة الله سبحانه؛ معرفة قلبية تتصل بالنور،
[١] هذا الحديث القاه سماحة السيد المدرسي في مكة المكرمة بتاريخ ٨/ ذي الحجة/ ١٤١٨ بحضور جمع من المؤمنين وهم مقبلون على الذهاب الى وادي عرفات.