الإمام الصادق عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - الفصل الثَّالث مَوَاقِفُ مُشْرِقَةٌ

وخواصِّه، أنه قال: دَخَلْتُ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَيْتُهُ مُغْتَمًّا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الْفِكْرُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ!

فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ! لَقَدْ هَلَكَ مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ مِائَةٌ أَوْ يَزِيدُونَ، وَقَدْ بَقِيَ سَيِّدُهُمْ وَإِمَامُهُمْ.

فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟

قَالَ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ شَغَلَتْهُ الْعِبَادَةُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ وَالْخِلَافَةِ.

فَقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَقُولُ بِهِ وَبِإِمَامَتِهِ، وَلَكِنَّ المُلْكَ عَقِيمٌ قَدْ آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَلَّا أُمْسِيَ عَشِيَّتِي حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاللهِ لَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِرُحْبِهَا، ثُمَّ دَعَا بِسَيَّافٍ وَقَالَ لَهُ إِذَا أَنَا أَحْضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ وَشَغَلْتُهُ بِالْحَدِيثِ وَوَضَعْتُ قَلَنْسُوَتِي، فَهُوَ الْعَلَامَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ.

ثُمَّ أَحْضَرَ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلَحِقَتْهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَلَمْ أَدْرِ مَا الَّذِي قَرَأَ، فَرَأَيْتُ الْقَصْرَ يَمُوجُ كَأَنَّهُ سَفِينَةٌ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَرَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ المَنْصُورَ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ قَدِ اصْطَكَّتْ أَسْنَانُهُ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، يَحْمَرُّ سَاعَةً وَيَصْفَرُّ أُخْرَى، وَأَخَذَ بِعَضُدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ عليه السلام وَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وَجَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا يَجْثُو الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَة؟

قَالَ:

جِئْتُكَ طَاعَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله وَلِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ