الإمام الصادق عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - الفصل الثَّالث مَوَاقِفُ مُشْرِقَةٌ

لرجوع الخلافة إلى أبناء علي عليه السلام ولكن شاء القدر باستشهاد الإمام الرضا عليه السلام قبل موت المأمون.

وعلى أي حال فإن الإمام الصادق عليه السلام خلق جوًّا صالحاً للثورة في هذه السنوات التي تولى فيها إمامة المسلمين بعد أبيه عليه السلام.

ومن الطبيعي ألَّا تتركه السلطات هادئاً يمشي في طريقه المرسوم وإن كان لا يعارضهم معارضة مباشرة؛ لأن مقاطعته للعباسيين كانت لهم نذير سوء، ومثيرة لسخطهم البالغ عليه، وعنفهم الشديد ضده.

فقد دعاه المنصور ليسير في ركابه كما سار غيره من أئمة الجور. حيث أرسل إليه يقول: لِمَ لَا تَغْشَانَا كَمَا يَغْشَانَا سَائِرُ النَّاسِ؟

فَأَجَابَهُ الإمام عليه السلام:

«لَيْسَ لَنَا مَا نَخَافُكَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ، وَلَا أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَنُهَنِّئَكَ، وَلَا تَرَاهَا نَقِمَةً فَنُعَزِّيَكَ بِهَا؛ فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ؟».

فَكَتَبَ إِلَيْه المنصور: تَصْحَبُنَا لِتَنْصَحَنَا.

فَأَجَابَهُ عليه السلام:

«مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا لَا يَنْصَحُكَ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ لَا يَصْحَبُكَ».

فَقَالَ المَنْصُورُ: وَاللهِ لَقَدْ مَيَّزَ عِنْدِي مَنَازِلَ النَّاسِ: مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا مِمَّنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَإِنَّهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ لَا الدُّنْيَا [١].

والآن حيث انتهيت من وضع الخطوط العريضة لسياسة الإمام الصادق عليه السلام مع السلطات المعاصرة ينبغي لي أن أشير إلى بعض


[١] بحار الأنوار، ج ٤٧، ص ١٨٤.