الإمام الصادق عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - الفصل الثَّاني عَهْدُ إِمَامَتِهِ
لقد أثبت التاريخ أن الذين استقوا من أفكار هذه المدرسة مباشرة كانوا أربعة آلاف طالب [١]. ولكن ذلك لا يهمنا بمقدار ما يهمنا معرفة ما كان لهذه المدرسة من تأثير في تثقيف الأمة الإسلامية التي عاصرتها والتي تلتها إلى اليوم، وإن الثقافة الإسلامية الأصيلة كانت جارية عنها فقط، حيث أثبتت البحوث أن غيرها من الثقافات المنتشرة بين المسلمين إنما انحدرت عن الأفكار المسيحية واليهودية بسبب الدَّاخلين منهم، أو ملونة بصبغة الفلاسفة اليونان والهنود الذين تُرجمت كتبهم إلى العربية، فبنى المسلمون عليها أفكارهم وكوَّنوا بها مبادئهم.
ولم تبقَ مدرسة فكرية إسلامية حافظت على ذاتيتها ووحدتها وأصالتها في جميع شؤون الحياة كما بقيت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام، ذلك لثقة التابعين بها وبأفكارها، مما دفعهم إلى الحفاوة بها وبملامحها الخاصة عبر قرون طويلة، حتى أنهم كانوا ينقلون عنها الروايات فماً بفم، وإذا كتبوا شيئاً لا ينشرونه إلَّا بعد الإجازة الخاصة ممن رووا الأفكار عنه.
وإذا عرفنا أن الثقافة الإسلامية- الشيعية منها أو السنّية- كانت ولا زالت تعتمد على الأئمة من معاصري الإمام الصادق عليه السلام كالأئمة الأربعة ممن توقَّف المسلمون على مذاهبهم فقط، وبالتالي عرفنا أن معظم هؤلاء الأئمة أخذوا من هذه المدرسة أفكارهم الدينية، حتى أن ابن أبي الحديد أثبت أن علم المذاهب الأربعة راجع إلى الإمام الصادق في الفقه. وقد قال المؤرخ الشهير أبو نعيم الأصفهاني: «روى عن جعفر
[١] لقد جمع الحافظ ابن عقدة الزيدي أسماء الرواة عن أبي عبد الله عليه السلام فكانوا أربعة آلاف، وجاء ابن الغضائري فاستدل على ابن عقدة فزاد عليهم.