بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٧٠ - * الباب الرابع والثلاثون * المعادن، وأحوال الجمادات والطبايع وتأثيراتها وانقلابات الجواهر، وبعض النوادر
السماوات والأرض " قالتا أتينا طائعين ". " إنه كان حليما " في الأزل، إذ أخرج من العدم من يكفر به ويجحده " غفورا " لمن تاب عن كفره.
" قلنا يا نار كوني بردا " قال الطبرسي. هذا مثل، فإن النار جماد لا يصح خطابه، والمراد أنا جعلنا النار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شئ، كما قال سبحانه " كونوا قردة خاسئين [١] " والمعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم وأمرهم بذلك. وقيل: يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم. وذكر في كون النار بردا وسلاما على إبراهيم وجوها: أحدها أن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة فيها فلم تؤذه. وثانيها أنه سبحانه حال بينها وبين إبراهيم فلم تصل إليه. وثالثها أن الاحراق يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات. وعلى الجملة فعلمنا أن الله سبحانه منع النار من إحراقه وهو أعلم بتفاصيله [٢] - انتهى -.
وقال البيضاوي: انقلاب النار هواء طيبة ليس ببدع، غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته. وقيل: كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما في السمندر، ويشعر به قوله " على إبراهيم " [٣] - انتهى -.
وأقول: على مذهب الأشاعرة لا إشكال في ذلك، لأنهم يقولون: لا مؤثر في الوجود إلا الله، وإنما أجرى عادته بالاحراق عند قرب شئ من النار، فإذا أراد غير ذلك لا يخلق الاحراق. وأما عند غيرهم من القائلين بتأثير الطبائع ولزوم الصفات لها فيشكل ذلك عندهم، والأولى أن يقال: إحراق النار وتبريد الثلج وقتل السموم وغير ذلك من التأثيرات لما كانت مشروطة بشروط كقابلية المادة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون مشروطة بعدم تعلق إرادة القادر المختار بخلافه [٤] فإذا تعلقت
[١] البقرة: ٦٥، والأعراف: ١٦٥.
[٢] مجمع البيان: ج ٧، ص ٥٤.
[٣] أنوار التنزيل: ج ٢، ص ٨٦.
[٤] هذا تنزيل لمقام إرادته القاهرة التي بها تسببت الأسباب وانسجم نظام الكون. و يستلزم جعلها في عداد الشرائط المادية، ويترتب عليه لوازم نغمض عن ذكرها. والحق أن جميع الآيات والمعجزات خرق للنظام المتعارف الذي نتعاهده معاشر الناس في حياتنا ونعرف فيه أسبابا وشرائط وجودية. وعدمية ومعدات لكن ليس خرقا للنظام العلى والمعلولي رأسا، فجعل النار بردا مثلا ليس إبطالا للنظام السببي، لمسببي الحاكم على العالم بحذافيره، بل إعمال لأسباب وشرائط لا نتعداها ويكفى له إيجاد مانع من تأثير النار في جسمه عليه السلام أو حول بدنه أو تسخير النار لايجاد البرودة كما تسخر قوة الكهرباء اليوم له، كل ذلك لامن طريق متعارف عند الناس بل بسبب إلهي وطريق غيبي ومجرى نفسي غير مشهود للعامة، والله على كل شئ قدير.
فان قيل: مرجع الأخير إلى أن الله تعالى أراد أن تتبرد النار فبردت، وهذه إبطال لسببية النار للاحراق - لعدم امكان سببية شئ واحد لضدين ومتقابلين - أو التزام بحصول معلول مادي من غير حصول علته المسانخة له قلنا: الاحتراق عبارة عن تبدل الصورة تبدلا خاصا والنار معدة له لا مفيضة للصورة الحادثة، ولا يمتنع تأثيرها في ضده كما يشاهد في الكهرباء أضف إلى ذلك حديث تعدد الجهات. وأما استناد الحوادث إلى إرادة الله تعالى من غير واسطة فمخالف للسنة الإلهية التي لن تجد لها تبديلا ولن تجد لها تحويلا، ومستلزم للطفرة واختلال نظام العلل والمعاليل. والحاصل أن إرادة الله تعالى فوق العلل المادية وفى طولها لا في رتبتها وهو القاهر فوق عباده.