ثورة الحسين ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة - شمس الدين، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٧٧ - سياسة معاوية إحياء النزعة القبلية والعنصرية
بأنماط متعدّدة من السلوك كان منها ـ ولعلّه أهمّها ـ ضرب القوى العقائدية المعادية للحكم الأموي بعضها ببعض ، وإثارة الرّوح القبلية على نطاق واسع يكفل له انشقاق القبائل بتأثير أحقادها الصغيرة ، ويخلق بينها حالة من التوتّر تجعل من المتعذّر عليها أن تتوحّد ، وأن تنظر إلى الحكم الأموي نظرة موضوعية ، وبذلك فاز معاوية بتفتيت المعارضة بعوامل داخلية تنبع من صميم المعارضة نفسها.
ولم تكن هذه السياسة هي اللون المفضّل عند معاوية بالنسبة إلى سائر القبائل فحسب ، بل كانت بهذه المنزلة عنده بالنسبة إلى أسرته الأموية ذاتها أيضاً ، ففد كان ـ كما يقول ولهاوزن ـ يسعى إلى أن يدخل القطيعة بين مختلف فروع الأسرة الأموية بالمدينة ليقضي بذلك على شوكتهم [١].
وإذا كانت هذه هي خطّته بالنسبة إلى أسرته ذاتها فليس لنا أن نطمع منه بسلوك أنبل بالنسبة إلى سائر القبائل التي كان يخشاها على سلطانه ؛ لأنّ الدوافع المشتركة كانت توحّدها في الوقوف ضدّه.
ولا يجد الباحث صعوبة كبيرة في اكتشاف هذا الخُلق في معاوية ؛ فتأريخه مليء بالشواهد عليه.
فبراعته في استغلال ما لشعراء عصره من تأثير عظيم في الرأي العام من أجل مصالحه الخاصّة جعلته يستغل هؤلاء الشعراء في هذا الميدان ، فيحرّضهم على القول في موضوعات الفخر والهجاء كالذي كان بين القبائل في الجاهليّة [٢].
ومن ذلك موقف شاعره الأخطل من الأنصار ، فقد واصل شعراء الأنصار هجاء معاوية على أساس ديني ، فردّ عليهم الأخطل بهجاء قبلي
[١] الدولة العربية / ١١٢ نقلاً عن الطبري ، وفي شرح نهج البلاغة ١١ / ١٩ نقلاً عن الجاحظ : «وكان معاوية يحبّ أن يغري بين قريش».
[٢] بروكلمان : تاريخ الشعوب الإسلامية ١ / ١٤٨ ، وأحمد أمين : قصة الأدب في العالم ١ / ٣٧٢.