ثورة الحسين ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة - شمس الدين، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ١٨٣ - ٣ ـ آثار الثورة الاخلاق الجديدة
النموذج الذي يتعالى ويتعالى حتّى ليكاد القائل أن يقول : ما هذا بشر ...
ولقد هزّ هذا اللون من الأخلاق ، هذا اللون من السلوك الضميرَ المسلم هزّاً مُتداركاً ، وأيقظه من سُباته المرَضي الطويل ؛ ليشاهد صفحة جديدة مُشرقة يكتبها الإنسان بدمه في سبيل الشرف والمبدأ ، والحياة العارية من الذلّ والعبودية. ولقد كشف له عن زيف الحياة التي يحياها ، وعن زيف الزعماء ـ أصنام اللحم ـ الذين يعبدهم ، وشق له طريقاً جديداً في العمل ، وقدّم له اُسلوباً جديداً في العمل ، وقدّم له اُسلوباً جديداً في مُمارسة الحياة ، فيه قسوة وفيه حرمان ، ولكنّه طريق مُضيء لا طريق غيره جدير بالإنسان.
ولقد غدا هذا اللون المُشرق من الأخلاق ، وهذا النموذج الباهر من السلوك خطراً رهيباً على كلّ حاكم يُجافي روح الإسلام في حكمه. إنّ ضمائر الزعماء قليلاً ما تتأثّر بهذه المُثل المضيئة ، ولكنّ الذي يتأثّر هي الاُمّة ، وهذا هو ما كان يريده الحسين عليهالسلام. لقد كان يريد شقّ الطريق للاُمّة المُستعبدة لتناضل عن إنسانيتها.
وفي جميع مراحل الثورة ، منذ بدايتها في المدينة حتّى ختامها الدامي في كربلاء ، نلمح التصميم على هذا النمط العالي من السلوك.
ها هو الحسين عليهالسلام يقول لأخيه محمد بن الحنفيّة وهما بعد في المدينة :
«يا أخي ، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية» [١].
وها هو يتمثل بأبيات يزيد بن مفرغ الحميري [٢] حين انسلّ من المدينة في جنح الليل إلى مكة :
[١] أعيان الشيعة ٤ / قسم أول / ١٨٦.