تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٢٥ - المرحلة الأولى في الشبهة المحصورة
وهذا مع عدم وضوح وجه له واضح البطلان ، لعدم تعقّل الفرق في حكم العقل بين الصورتين ، فإنّ قبح مخالفة العلم الإجمالي إنّما هو لقبح مخالفة الخطاب المتوجّه إلى المكلّف فعلا ، ولا يتفاوت الحال فيه بين كون الخطاب معلوما بالتفصيل أو بالإجمال.
ألا ترى أنّه لو فرض إناء واحد مردّد بين كونه من الخمر أو من العصير المغصوب وجب الاجتناب عنه ، لكونه مخالفة لأحد الخطابين من قوله : « اجتنب عن الخمر » و « اجتنب عن المغصوب » وإذا فرض أنّه اشتبه بإناء خلّ مباح فهو على وجوب اجتنابه السابق.
وبجميع ما قرّرناه تبيّن بطلان القول بجواز ارتكاب الجميع في الشبهة المحصورة مطلقا ، وبطلان دليله وهو على ما وقفنا عليه وجهان :
أحدهما : أنّ المعلوم بالإجمال غير مشمول لأدلّة تحريم المحرّمات ، إمّا لكون الألفاظ وضعا للمعلومات بالتفصيل أو لانصرافها في حيّز الخطاب إليها.
وثانيهما : عمومات أصل البراءة الّتي عمدتها قوله عليهالسلام : « كلّ شيء فيه حلال وحرام ... » [١] إلى آخره ، وقد عرفت ما فيهما بما لا مزيد عليه.
وتبيّن أيضا بطلان القول بجواز الارتكاب تدريجا فقط ، مع عدم وضوح وجه له يعتمد عليه ، إلاّ توهّم أنّ المسلّم من حرمة المخالفة القطعيّة هو ما يتحقّق حين الارتكاب لا ما يحصل العلم به بعد الارتكاب ، فيرجع في كلّ ارتكاب إلى الأصل المستفاد من العمومات ، وقد عرفت بطلان الفرق بينهما في نظر العقل ومنع شمول أدلّة الأصل لما نحن فيه ، هذا كلّه في منع المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي مطلقا المقتضي لعدم ارتكاب الجميع مطلقا.
وبقي الكلام في وجوب الاجتناب عن الجميع المتضمّن لوجوب الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي كما هو المشهور ، على ما حكاه بعض مشايخنا [٢] ناسبا إلى المدارك [٣] كونه مقطوعا به في كلام الأصحاب ، وإلى المحقّق البهبهاني في الفوائد [٤] نسبته إلى الأصحاب ، وإلى المحقّق الكاظمي في شرح الوافية [٥] دعوى الإجماع عليه صريحا.
لنا على ذلك : وجهان تقدّم الإشارة إليهما :
أحدهما : أنّ العقل الحاكم بكفاية العلم الإجمالي في توجّه الخطاب يجوّز العقاب على
[١] الوسائل ١٢ : ٥٩ الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.
[٢] فرائد الاصول ٢ : ٢١٠.
[٣] المدارك ١ : ١٠٧.
[٤] الفوائد الحائريّة : ٢٤٨.
[٥] الوافي في شرح الوافية ( مخطوط ) ، الورقة : ٢١٠.