تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٨١ - المقام الأوّل في الشبهة الناشئة عن الشكّ في الجزئيّة
الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة ، فاللطف إمّا مأمور به حقيقة أو غرض للآمر.
وأيّا ما كان فلابدّ من إحرازه ولا يكون إلاّ بإتيان كلّ ما شكّ في مدخليّته.
قلت : الإيجاب في جميع الواجبات الشرعيّة الّذي هو عبارة عن طلب الفعل المقرون بمبغوضيّة الترك الّذي هو مدلول الخطاب اللفظي المأخوذ في وضع صيغة الأمر مسبوق بوجوبها العقلي ، وهو كونها بحيث يستحقّ تاركها الذمّ كما عليه مذهب العدليّة ، وأشار إليه الشيخ في العدّة في مسألة إثبات النسخ بقوله : « الشيء لا يجب بإيجاب موجب ، وإنّما يجب بصفة هو عليها تقتضي وجوب ذلك الشيء ، وإنّما يدلّ إيجاب الحكم على أنّ له صفة الوجوب لا بأن يصير واجبا بإيجابه ، لأنّ ايجاب ما ليس له صفة الوجوب يجري في القبح مجرى إيجاب الظلم والقبيح ». انتهى [١].
وحيث إنّ الغرض من الإيجاب المسبوق بالوجوب العقلي دلالة المكلّف على الوجوب العقلي الّذي لا يستقلّ بإدراكه العقل كما في أكثر الواجبات العقليّة ، فاللطف صفة فيه لا في الفعل الواجب ، ولذا صار أصحابنا الإماميّة وأكثر المعتزلة من العامّة في مسألة وجه العبادة ـ بعد ما اتّفق الفريقان الأشاعرة والمعتزلة على أنّه بحسب المفهوم عبارة عن السبب الباعث على إيجاب الواجب وندب المندوب ـ إلى أنّه بحسب المصداق عبارة عن اللطف الواجب على الله تعالى في الواجبات العقليّة الّتي لا يستقلّ بإدراك وجوبها العقل والمندوب في غيرها ، على معنى أنّ الإيجاب بنفسه لطف ، لأنّه يقرّب العبد إلى موافقة الوجوب العقلي في الواجبات العقليّة ويبعّده عن مخالفته ، وهذا هو معنى قولهم : « التكليفات السمعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة » وقد يعبّر عنه : « بأنّ الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة » ، ومعناه كون الواجب الشرعي لو صفه العنواني لطفا لا لذاته.
وبالجملة اللطف مصلحة في الإيجاب الّذي هو من فعل الشارع لا في الواجب الّذي هو فعل المكلّف ، فلم يتعلّق بالمكلّف لطف لا بعنوان كونه مأمورا به ولا بعنوان كونه غرضا من الأمر ليجب عليه إحرازه ، فلا مقتضي في اللطف لوجوب الإتيان بكلّ ما يشكّ في مدخليّته في المأمور به أصلا.
وقد يتمسّك لإثبات وجوب الإتيان بالأكثر وكلّما يشكّ في مدخليّته باستصحاب الأمر والاشتغال ، إذ على تقدير الاقتصار على الأقلّ يشكّ في ارتفاعهما والأصل يقتضي البقاء ،
[١] العدّة ٢ : ٥٠٨.