البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٨ - ١ ـ التفسير بالرأي
وكان ابن عباس أول من تكلم في القرآن من خلال اللغة ، فكان يفسر آي القرآن الكريم من خلال معرفته باللغة والشعر ، وكان يقول : «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر ، فإن الشعر ديوان العرب». [١] وأسئلة نافع بن الأزرق عن ابن عباس في غريب القرآن وأجوبة ابن عباس له من خلال شعر العرب معروفة يرويها السيوطي في (الإتقان). [٢]
ومما ورد في هذه الأسئلة أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن قول الله عز وجل : (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) [٣] ما السنة؟
قال ابن عباس : «النعاس» واستشهد بقول زهير :
|
لا سنة في طوال الليل تأخذه |
|
ولا ينام ولا في أمره فند [٤] |
لكن عبدالله بن عباس رغم ذلك لم يتجاوز هذا الحد من التفسير من خلال اللغة وشعر العرب ، وبقي الصحابة ومن بعدهم التابعون ومن بعدهم علماء القرآن إلى أواسط القرن الرابع الهجري يلتزمون بمنهج التفسير بالمأثور ، وقل من خرج على هذا النهج خلال هذه الفترة ، وبقي المنهج السائد في تفسير القرآن هو التفسير بالمأثور.
وفي وقت متأخر ، في أواخر القرن الرابع الهجري يبدأ العلماء باستخدام الرأي في التفسير ، وتبرز تفاسير حافلة بالرأي ، ويستمر هذا الرأي في النضج والتكامل إلى الوقت الحاضر.
ويذهب هؤلاء العلماء إلى أن الذي يشجبه الإسلام من التفسير بالرأي هو الرأي المذموم ، وهو القول في القرآن بغير علم ولا هدى ، وأما الكلام في القرآن بعلم ودليل وبرهان ، فليس من الرأي المذموم ، وإنما هو من الرأي الممدوح الذي لا ضير فيه.
يقول ابن كثير في أول تفسيره بعد أن يذكر طائفة من الروايات عمن كان يتهيب ويتحرج من التفسير بالرأي :
«فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه ، فأما من تكلم بما يعلم ذلك من لغة وشرع فلا حرج عليه ، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه». [٥] وقال البيهقي في (شعب الإيمان) : «هذا إن صح فإنما أراد ـ والله أعلم ـ الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه ، فمثل هذا الذي لا يجوز الحكم به في النوازل ، وكذلك لا يجوز تفسير القرآن به. وأما الرأي الذي يسنده
[١]تفسير القرطبي ١ : ٢٤.
[٢]الإتقان ٢ : ٦٧.
[٣]البقرة ٢ : ٢٥٥.
[٤]تفسير القرطبي ١ : ٢٥.
[٥]تفسير ابن كثير ١ : ٧.