تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٣٠
بهم أن يسترقوا ، فقال رجل ممّن جاء بهم : يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا ـ لأحدهم ـ وهو يقتل المسلمين ، لكثر بكاؤك عليهم فقال عمر : قد فدك ، فاقتله ، فقام إليه فقتله.
(حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) [١] أثقالها وأحمالها فلا تكون حرب ، وقيل : حتّى تضع الحرب آثامها ، وأجرامها ، فيرتفع ، وينقطع ، لأنّ الحرب لا تخلو من الإثم في أحد الجانبين والفريقين. وقيل : معناه حتّى يضع أهل الحرب آلتها وعدّتها أو آلتهم وأسلحتهم فيمسكوا عن الحرب.
والحرب القوم المحاربون كالشرب والركب ، وقيل حتّى يضع الأعداء المتحاربون أوزارها وآثامها بأن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله ورسوله. ويقال للكراع : أوزار ، قال الأعشى :
|
وأعددت للحرب أوزارها |
|
رماحا طوالا وخيلا ذكورا [٢] |
ومعنى الآية أثخنوا المشركين بالقتل ، والأسر حتّى يظهر الإسلام على الأديان كلّها ، ويدخل فيه أهل كلّ ملّة طوعا أو كرها (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [٣] فلا نحتاج إلى قتال وجهاد ، وذلك عند نزول عيسى عليهالسلام.
وقال الحسن : معناه حتّى لا يعبد إلّا الله. الكلبي : حتّى يسلموا أو يسالموا. (ذلِكَ) الذي ذكرت وبيّنت من حكم الكفّار (وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال.
(وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) من حكم الكفّار و (نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) ...
(وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) قرأ الحسن بضم (القاف) وكسر (التاء) مشدّدا من غير (ألف) ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص بضمّ (القاف) وكسر (التاء) مخفّفا من غير (ألف) ، واختاره أبو حاتم يعني الشهداء ، وقرأ عاصم الجحدري قَتَلُوا بفتح (القاف) و (التاء) من غير (ألف) ، يعني والذين قتلوا المشركين.
وقرأ الباقون قاتلوا (بالألف) من المقاتلة ، وهم المجاهدون ، واختاره أبو عبيد. (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) قال قتادة : ذكر لنا إنّ هذه الآية أنزلت يوم أحد ورسول الله صلىاللهعليهوسلم في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل ، وقد نادى المشركون : أعل هبل ، فنادى المسلمون : الله أعلى وأجلّ. فنادى المشركون : يوم بيوم والحرب سجال ، لنا عزّى ولا عزّى لكم.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ، إنّ القتال مختلفة ، إما قتلانا فـ (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ، وإمّا قتلاكم ففي النّار يعذّبون» [١٧] [٤].
[١] سورة محمد : ٤.
[٢] كتاب العين : ٧ / ٣٨١.
[٣] سورة الأنفال : ٣٩.
[٤] جامع البيان للطبري : ٢٦ / ٥٨.