تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٣٠١
عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمّى والنكبة حتّى الشوكة والبضاعة يضعها في [جيبه] فيفقدها فيفرغ لها فيجدها في جيبه ، حتّى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكيس [٢١١] [١]».
يدلّ عليه قوله (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [٢] يعني في الدنيا.
وقال مجاهد : في رواية منصور وابن أبي جريج قال : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ). يعني من اليقين والشك.
وقال جعفر بن محمد : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ). يعني الإسلام (أَوْ تُخْفُوهُ). يعني الإيمان.
وقال بعضهم : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ). يعني ما في قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه (أَوْ تُخْفُوهُ). فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه ، (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) ، فأمّا ما حدّثتم به أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه فإن ذلك ممّا (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) ولا يؤاخذ به. ودليل هذا التأويل قوله : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) [٣].
وعن عبد بن المبارك قال : قلت لسفيان : ليؤاخذ العبد بالهمّة ، قال : إذا كان عزما أخذ بها. وعن عمرو بن جرير قال : خرجت وأنا شاب لأمر هممت به ، فمررت بأبي طالب القاص والناس مجتمعون عليه وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال : أيّها الهامّ بالمعصية علمت أن خالق الهمّة مطّلع على همّتك ، قال : فخررت والله مغشيّا عليّ ، فما أفقت إلّا عن توبة.
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال : أصابت بني إسرائيل مجاعة فمرّ رجل على رمل فقال : [وددت] أن هذا الرمل دقيق لي فأطعمه بني إسرائيل ، فأعطي على نيّته [٤].
وعن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : كان رجل يطوف على العلماء ، يقول : من يدلّني على عمل لا أزال منه عاملا لله عزوجل فإنّي أحب أن لا تأتي عليّ ساعة من الليل والنهار إلّا وأنا عامل ، فقيل له : قد وجدت حاجتك فأعمل الخير ما استطعت ، فإذا فترت أو تركته فهمّ بعمله إنّ الهامّ بعمل الخير كعامله. وهذا يعني قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «نيّة المؤمن خير من عمله» [٢١٢] [٥] لأن العمل ينقطع والنيّة لا تنقطع.
[١] تفسير الطبري : ٥ / ٣٩٩.
[٢] سورة النساء : ١٢٣.
[٣] سورة البقرة : ٢٢٥.
[٤] المصنف لابن أبي شيبة : ٨ / ٣١٧.
[٥] كنز العمال : ٣ / ٤١٩ ح ٧٢٣٦.