تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٢٣٨
قال مقاتل يعني كعب بن الأشرف ، ويحيى بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة (يُخْرِجُونَهُمْ) ويدعونهم (مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) ، دليله قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [١] يعني أدعوهم.
فإن قيل : ما وجه قوله (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) وهم كفّار لم يكونوا في نور قط وكيف يخرجونهم ممّا لم يدخلوا فيه.
فالجواب ما قال مقاتل وقتادة : هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمّد صلىاللهعليهوسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به وجحدوا ما وجدوه في كتبهم من نعته وصفته ونبوّته بيانه قوله : (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [٢] فذلك خروجهم من النور يعني بإيمانهم بمحمد قبل البعث ، ويعني بالظلمات كفرهم بمحمد صلىاللهعليهوسلم بعد البعث ، والإدخال والإخراج الى الله عزوجل لا إلى غيره إلّا على سبيل الشريعة والتفريع. قال الله عزوجل : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) [٣] ، وأجراها أهل المعاني على العموم في جميع الكفّار.
وقالوا : منعه إياهم من الدخول فيه إخراج ، وهذا كما يقول الرجل لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه ، فقال الله تعالى إخبارا عن يوسف : (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [٤] ولم يكن أبدا على دينهم حتّى تركه قال الله تعالى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) [٥] ولم يكن فيه قط.
وقال امرؤ القيس :
|
ويأكلون البدل قد عاد احما قط |
|
قال له الأصوات ذي كلا نجلى [٦] |
وقال آخر :
|
أطعت النفس في الشهوات حتّى |
|
أعادتني عسيفا عبد عبد [٧] |
ولم يكن عبدا قط.
وقال الغنوي :
|
فإنّ تكن الأيام أحسن مرّة |
|
إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب [٨] |
[١] سورة إبراهيم : ٥.
[٢] سورة البقرة : ٨٩.
[٣] سورة الأسراء : ٨٠.
[٤] سورة يوسف : ٣٧.
[٥] سورة النحل : ٧٠.
[٦] كذا في المخطوط.
[٧] لسان العرب : ٩ / ٢٤٦.
[٨] تاريخ دمشق : ٦٣ / ١٧٢ ، والشاهد أنها لم يكن لها ذنوب قبل ذلك.