تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٦١
(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الآية ، جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : ما الذي أهلكك؟ قال : حوّلت رحلي البارحة فلم يردّ عليّ شيئا فأوحى الله تعالى (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) يقول أقبل وأدبر واتق الدّبر والحيضة [١].
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : كان اليهود يقولون : من جامع امرأته وهي مجبّية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول ، فذكر ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : كذبت اليهود فأنزل الله تعالى (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [٢].
مجاهد عن ابن عباس قال : كان هذا الحي من الأنصار ، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود ، وهم أهل كتاب ، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلّا على حرف ، وذلك أيسر ما يكون للمرأة ، فكان هذا الحي من الأنصار يأخذون بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحي من قريش يشرح عن النساء شرحا منكرا ، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع وإلّا فاجتنبني ، حتى انتشر أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله عزوجل (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) يعني موضع الولد [٣] قالوا : (حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) مدبرات ومقبلات ومستلقيات.
قال الحسن وقتادة والمقاتلان والكلبي تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النساء في مجلس لهم فقال المهاجرون : إنّا نأتيهن باركات وقائمات ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن ، بعد أن يكون المأتي واحدا في الفرج ، فعابت اليهود وقالت : ما أنتم إلّا أمثال البهائم لكنّا نأتيها على هيئة واحدة ، فإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى للنساء غير الاستلقاء دنس عند الله ، ومنه يكون الحول والخبل ، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم وقالوا : يا رسول الله إنّا كنا في جاهليتنا وبعد ما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا ، فإنّ اليهود عابت ذلك علينا وزعمت أنّا كذا وكذا ، فكذّب الله عزوجل اليهود ، وأنزل رخصة لهم (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أي كيف شئتم وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في [فرج] واحد [٤].
(أَنَّى) حرف استفهام ويكون سؤالا عن الحال والمحلّ.
وقال سعيد بن المسيب : هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا.
[١] مسند أحمد : ١ / ٢٩٧.
[٢] صحيح مسلم : ٣ / ١٥٦.
[٣] تفسير ابن كثير : ١ / ٢٦٨.
[٤] أسباب النزول للواحدي : ٤٩.