تفسير ابن أبي العز جمعا ودراسة - ابن أبي العز - الصفحة ٢٤
ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب[١].
قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [٢] يقول الله تعالى أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار[٣]، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم[٤]؛ لأن هذا المعنى لا يُناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أُخرى، كما قال تعالى: {أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ} [٥]، وكانوا يقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [٦]. ولكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهاً {جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} [٧] بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات[٨].
[١] شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٦٦) .
[٢] سورة النمل، الآية: ٦٠.
[٣] انظر تفسير القرآن للسمعاني (٤/١٠٨) ، والوسيط (٣/٣٨٢) ، ومعالم التنزيل (٣/٤٢٥) فكل هؤلاء فسروا الاستفهام بأنه إنكاري، وكثير غيرهم على هذا.
[٤] كأن الألوسي أشار إلى شيء من هذا، أو قريب منه، وصدره بقيل. انظر روح المعاني (٢٠/٥) . وكلام بعض المفسرين يفهم منه هذا. انظر النكت والعيون (٤/٢٢١) ، وفتح القدير (٤/١٤٢) لكن لا أستطيع الجزم؛ لأن كلامهم قد يُخرَّج على أنهم أرادوا أن الاستفهام إنكاري.
[٥] سورة الأنعام، الآية: ١٩.
[٦] سورة ص، الآية: ٥.
[٧] سورة النمل، الآية: ٦١.
[٨] شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٦، ٣٧) . وقد تكلم شيخ الإسلام على هذه الآية ـ أعني التي فسرها ابن أبي العز ـ وبيَّن أن مَنْ جعل الاستفهام غير إنكاري فقد غلط. انظر مجموع الفتاوى (٧/٧٦، ٧٧) (١١/٦٨٢، ٦٨٣) ويظهر أن المؤلف اطلع على هذا، ولكنه تصرف وأضاف أشياء على عادته في النقل عن الإمامين، ابن تيمية، وابن القيم.