العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ٩٢
اَلْخَفَّاق مِنْ دُون أَغْصَانهَا وَأَوْصَالهَا
جَمِيعًا وَلَكِنَّ اَلْمُصِيبَة إِذَا عَظُمَتْ خَلَتْ عَنْ اَلْبُكَاء وَالْأَنِين فَلَمْ تَصِحّ وَلَمْ تَضْطَرِب
بَلْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَة طَوِيلَة هَادِئَة ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ إِلَى اِبْنَتهَا وَقَالَتْ لَهُ وَمَا تَرَى فِي
اِبْنَتك هَذِهِ ? قَالَ لَيْسَ لِي اِبْنَة أَيَّتُهَا اَلسَّيِّدَة وَلَا وَلَد لِي لِأَنِّي لَمْ أَتَزَوَّج إِلَّا
مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَخْذَيْ اِبْنَتك مَعَك وَعَيْشِي مَعَهَا حَيْثُ تَشَائِينَ وَقَدْ تَرَكَتْ لَك هَذَا
اَلْكِيس عَلَى اَلْمِنْضَدَة فَخُذِيهِ وَاسْتَعِينِي بِهِ عَلَى عَيْشك وَتَرْكهَا وَمَضَى.
لَمْ تُلْقِ عَلَى اَلْمِنْضَدَة نَظْرَة وَاحِدَة وَمَشَتْ تَتَحَامَل عَلَى نَفْسهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى
غُرْفَتهَا وَهُنَالِكَ اِنْفَجَرَتْ بَاكِيَة وَقَالَتْ واسوأتاه إِنَّهُ يُعْطِنِي ثَمَن عَرَضِيّ وَسَقَطَتْ
مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَلَمْ تستفق حَتَّى أَظَلَّهَا اَللَّيْل فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَإِذَا اِبْنَتهَا تَبْكِي
بَيْن ذِرَاعَيْ اَلْخَادِمَة وَإِذَا اَلْخَادِمَة تَبْكِي لِبُكَائِهَا فَضَمَّتْهَا إِلَى صَدْرهَا سَاعَة ثُمَّ
قَامَتْ إِلَى غُرْفَة مَلَابِسهَا وَأَخَذَتْ تُفَتِّش عَنْ أَثْوَابهَا القورية اَلَّتِي دَخَلَتْ بِهَا هَذَا
اَلْقَصْر مُنْذُ ثَلَاثَة أَعْوَام وَكَانَتْ تُخْفِيهَا عَنْ أَعْيُن اَلنَّاس حَيَاء وَخَجَلًا فَخَلَعَتْ
أَثْوَابهَا وَلَبِسَتْهَا وَلَمْ تُبْقَ فِي مِعْصَمَيْهَا وَلَا فِي جِيدهَا لُؤْلُؤَة وَلَا مَاسَة إِلَّا
أَلْقَتْ بِهَا تَحْت قَدَمَيْهَا وَاحْتَمَلَتْ طِفْلَتهَا وَخَرَجَتْ تَحْت سِتَار اَللَّيْل تَتَرَنَّح فِي
مِشْيَتهَا كَأَنَّمَا تَمَشَّى عَلَى رملة ميثاء.
وَمَا جَاوَزَتْ عِنَبَة اَلْبَاب وَوَصَلَتْ إِلَى اَلْمَوْضِع اَلَّذِي كَانَتْ وَاقِفَة فِيهِ فِي حَمْلهَا هِيَ
وَابْنَتهَا مُنْذُ سَاعَات تَنْظُر خَطِيبهَا حَتَّى لَمَّحَتْ عَلَى اَلْبُعْد مَرْكَبَة فَخْمَة مُقْبِلَة عَلَى
اَلْقَصْر تَحْمِل المركيز وَاِمْرَأَة بِجَانِبِهِ فَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَتَسَلَّلَتْ تَحْت جِدَار اَلْقَصْر
وَمَضَتْ فِي سَبِيلهَا.