العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ١٤٠
فَرَأَيْت أَنِّي قَدْ قَسَوْت
عَلَيْك وَغَلَوْت فِي أَمْرك غُلُوًّا كَبِيرًا وَنَظَرْت إِلَى مَسْأَلَتك بِعَيْن أَقْصَر مِنْ اَلَّتِي كَانَ
يَجِب عَلَيَّ أَنْ أَنْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّ لِلشَّبَابِ شَأْنًا غَيْر شَأْن اَلْكُهُولَة وَالشَّيْخُوخَة وَحَالًا
خَاصَّة بِهِ لَا يُخْرِج عَنْ حُكْمهَا شَرِيف وَلَا وَضِيع وَلَا يَخْتَلِف فِيهَا سُوقَة عَنْ مَلِك أَنْ
تُبْقِي يَا بَنِي كَمَا تَشَاء وَأَنْ تُعَاشِر اَلْفَتَاة اَلَّتِي تُحِبّهَا كَمَا تُرِيد عَلَى أَنْ تَعِدنِي
بِالْعَوْدَةِ إِلَى فِي اَلْيَوْم اَلَّذِي تَنْقَطِع فِيهِ اَلصِّلَة بَيْنك وَبَيْنهَا اِنْقِطَاع حَيَاة أَوْ
مَوْت فَإِنِّي إِنْ مَنَّيْت عَلَيْك شَرّهَا فَلَا آمَن عَلَيْك شَرّ غَيْرهَا مِنْ اَلنِّسَاء فاستطير
أَرْمَان فَرَحًا وَسُرُورًا وَأَهْوَى عَلَى يَد أَبِيهِ يُقَلِّبهَا وَيُبَلِّلهَا بِدُمُوعِهِ وَيَقُول أَعُدّك
بِذَلِكَ يَا أَبَتَاهُ وَعَدَا لَا أُخَالِفهُ وَلَا أخيس بِهِ وَلَك حُكْمك مَا تَشَاء إِنْ رَأَيْتنِي
بَعْد اَلْيَوْم كَاذِبًا أَوْ خَائِنًا.
ثُمَّ نَهَضَ يُرِيد اَلذَّهَاب فَقَالَ لَهُ أَيْنَ تُرِيد قَالَ أُرِيد اَلذَّهَاب إِلَى مَرْغِرِيت لِأُبَشِّرهَا
بِهَذَا اَلنَّبَأ وَأَمْسَح عَنْ فُؤَادهَا مَا أُلِمّ بِهِ مِنْ اَلرَّوْع مُنْذُ اَلْأَمْس فَانْتَفَضَ أَبُوهُ
اِنْتِفَاضَة خَفِيفَة لَمْ يَشْعُر بِهَا أَرْمَان ثُمَّ ادار وَجْهه لِيُغَالِب دَمْعَة كَانَتْ تَتَرَقْرَق
فِي عَيْنَيْهِ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ ابقي مَعِي اَلْيَوْم يَا بَنِي فَرُبَّمَا سَافَرَتْ غَدَقًا وَلَا
أَعْلَم بَعْد ذَلِكَ مَتَى أَرَاك فَبَقِيَ مَعَهُ اَلْيَوْم كُلّه حَتَّى جَاءَ اَللَّيْل فَاسْتَأْذَنَهُ فِي
اَلذَّهَاب عَنْ عَيْنَيْهِ فَانْحَدَرَتْ مِنْ جَفْنه تِلْكَ اَلدَّمْعَة نَظَره حَتَّى غَابَ عَنْ عَيْنَيْهِ
فَانْحَدَرَتْ مِنْ جَفْنه تِلْكَ اَلدَّمْعَة اَلَّتِي كَانَ يَحْبِسهَا مِنْ قَبْل وَقَالَ وارحمتاه لَك
أَيُّهَا اَلْوَالِد اَلْمِسْكِين!
حَمَلَ أَرْمَان بَيْن جَنْبَيْهِ آمَاله وَآمَال مَرْغِرِيت وَسَعَادَتهمَا اَلَّتِي