العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ٨
فَأَحْزَنَنِي أَنْ أَرَى فِي ظُلْمَة ذَلِكَ اَللَّيْل وَسُكُونه هَذَا اَلْفَتَى اَلْبَائِس اَلْمِسْكِين
مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فِي غُرْفَة عَارِيَة بَارِدَة لَا يَتَّقِي فِيهَا عَادِيَّة اَلْبَرْد بِدِثَار وَلَا
نَار يَشْكُو هُمَا مِنْ هُمُوم اَلْحَيَاة أَوْ رزء مِنْ أرزائها قَبْل أَنْ يُبَلِّغ سِنّ اَلْهُمُوم
وَالْأَحْزَان مِنْ حَيْثُ لَا يُجْدِ بِجَانِبِهِ مُوَاسِيًا وَلَا مُعِينًا وَقُلْت لَابُدَّ أَنْ يَكُون وَرَاء
هَذَا اَلْمَنْظَر الضارع اَلشَّاحِب نَفْس قَرِيحَة مُعَذَّبَة تَذُوب بَيْن أَضْلَاعه ذَوَّبَا فَيَتَهَافَت
لَهَا جِسْمه تَهَافُت اَلْخِبَاء اَلْمُقَوِّض فَلَمْ أَزَلْ وَاقِفًا مَكَانِي لَا أَرْبَحهُ حَتَّى رَأَيْته قَدْ
طَوَى كِتَابه وَفَارِق مَجْلِسه وَأَوَى إِلَى فِرَاشه فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَخْدَعِي وَقَدْ مَضَى اَللَّيْل
إِلَّا أُقِلّهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سَوَاده فِي صَفْحَة هَذَا اَلْوُجُود إِلَّا بَقَايَا أَسْطُر يُوشِك أَنْ
يَمْتَدّ إِلَيْهَا لِسَان اَلصَّبَاح فَيَأْتِي عَلَيْهَا:
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ فِي كَثِير مِنْ اَللَّيَالِي إِمَّا بَاكِيًا أَوْ مُطْرِقًا أَوْ ضَارِبًا
بِرَأْس عَلَى صَدْره أَوْ مُنْطَوِيًا عَلَى نَفْسه فِي فِرَاشه يَئِنّ أَنِين الوالهة اَلثَّكْلَى أَوْ
هَائِمًا فِي غُرْفَته يذرع أَرْضهَا وَيَمْسَح جُدْرَانهَا حَتَّى إِذَا نَالَ مِنْهُ اَلْجُهْد سَقَطَ عَلَى
كرسية بَاكِيًا مُنْتَحِبًا فَأَتَوَجَّع لَهُ وَأَبْكَى لِبُكَائِهِ وَأَتَمَنَّى لَوْ اِسْتَطَعْت أَنْ أُدْخِلهُ
مداخلة اَلصَّدِيق لِصَدِيقِهِ وأستبثه ذَات نَفْسه واشركه فِي هَمّه لَوْلَا أَنَّنِي كَرِهْت أَنَّ
بِالْإِغْوَاءِ بِمَا لَا يُحِبّ وَأَنْ أَهْجُم مِنْهُ عَلَى سِرّ رُبَّمَا كَانَ يُؤْثِر اَلْإِبْقَاء عَلَيْهِ فِي
صَدْره وَأَنْ يكاتمه اَلنَّاس جَمِيعًا حَتَّى أَشْرَقَتْ عَلَيْهِ لَيْلَة أَمْس بَعْد هَدْأَة مِنْ اَللَّيْل
فَرَأَيْت غُرْفَته مُظْلِمَة سَاكِنَة فَظَنَنْت أَنَّهُ خَرَجَ لِبَعْض شَأْنه ثُمَّ لَمْ أَلْبَث أَنْ سَمِعَتْ فِي
جَوْف اَلْغُرْفَة أَنَّهُ ضَعِيفَة مُسْتَطِيلَة فَأَزْعَجَنِي مُسْمِعهَا وَخَيَّلَ إِلَيَّ