العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ١٨
لِكَلِمَة لَمْ أَسْمَعهَا مِنْهَا قَبْل اَلْيَوْم
وَقُلْت بَلَى يَا سَيِّدِي أَعْلَم مَكَانه وَمَا كُنْت أَعْلَم شَيْئًا وَلَكِنِّي أَشْفَقْت عَلَى هَذَا
اَلْخَيْط اَلرَّقِيق اَلْبَاقِي فِي يَدهَا مِنْ اَلْأَمَل أَنْ يَنْقَطِع بِانْقِطَاعِهِ آخَر خَيْط مِنْ خُيُوط
أَجْلهَا فَقَالَتْ أَلَّا تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَحْمِلِي إِلَيْهِ رِسَالَة مِنِّي مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم أَحَد
بِشَأْنِي قُلْت لَا أُحِبّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ يَا سَيِّدَتِي. .
فَأَشَارَتْ أَنَّ آيَتهَا بِمَحْبَرَتِهَا فَجِئْتهَا بِهَا فَكَتَبَتْ إِلَيْك هَذَا اَلْكِتَاب اَلَّذِي تَرَاهُ
فَلَمَّا أَصْبَحَ اَلصَّبَاح خَرَجَتْ أُسَائِل اَلنَّاس عَنْك فِي كُلّ مَكَان وَأَتَصَفَّح وَجَوّه الغادين
والرائحين عَلَنِي أَرَاك وَأَرَى مَنْ يَهْدِينِي إِلَيْك فَلَمْ أَظْفَر بِطَائِل حَتَّى اِنْحَدَرَتْ
اَلشَّمْس إِلَى مَغْرِبهَا فَعُدْت إِلَى اَلْمَنْزِل وَقَدْ مَضَى شَطْر مِنْ اَللَّيْل فَمَا بَلَغَتْهُ حَتَّى
سَمِعَتْ اَلنَّاعِيَة فَعَلِمَتْ أَنَّ اَلسَّهْم قَدْ بَلَّغَ اَلْمَقْتَل وَأَنَّ تِلْكَ اَلْوَرْدَة اَلنَّاضِرَة اَلَّتِي
كَانَتْ تَمْلَأ اَلدُّنْيَا جَمَالًا وَبَهَاء قَدْ سَقَطَتْ آخَر وَرَقَة مِنْ وَرَقَاتهَا فَحَزِنَتْ عَلَيْهَا
حُزْن الثاكل عَلَى وَحِيدهَا وَمَا رئي مِثْل يَوْمهَا يَوْم كَانَ أَكْثَر بَاكِيَة وَبَاكِيًا.
وَكَانَ أَكْبَر مَا أَهَمَّنِي مَا أَمَرَّهَا أَنَّ كُلّ مَا كَانَتْ تَرْجُوهُ فِي اَلسَّاعَة اَلْأَخِيرَة مِنْ
سَاعَات حَيَاتهَا أَنْ تَرَاك فَفَاتَهَا ذَلِكَ وَسَقَطَتْ دُون أُمْنِيَتهَا فَلَمْ أَزَلْ كَاتِمَة أَمْر
اَلرِّسَالَة فِي نَفَسِي وَلَمْ أَزَلْ أَتَطَلَّب اَلسَّبِيل إِلَيْك حَتَّى وَجَدْتُك فَشَكَرَتْ لَهَا صَنِيعهَا
وأذنتها بِالِانْصِرَافِ فَانْصَرَفَتْ فَمَا اِنْفَرَدَتْ بِنَفْسِي حَتَّى شَعَرَتْ أَنَّ سَحَابَة سَوْدَاء
تَهْبِط فَوْق عَيْنِي شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى أَحْتَجِب عَنْ نَاظِرَيْ كُلّ شَيْء ثُمَّ لَا أَعْلَم مَاذَا
تَمَّ بَعْد ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْتُك.