العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ٦٨
فَوْق أَرْض غَرْنَاطَة وَتَحْت
سَمَائِهَا طَائِرَيْنِ جَمِيلَيْنِ يَطِيرَانِ حَيْثُ يَصْفُو لَهُمَا وَجْه اَلسَّمَاء وَتَرَقْرَقَ صَفْحَة
اَلْهَوَاء وَيَقَعَانِ حَيْثُ يَطِيب لَهُمَا اَلتَّغْرِيد وَالتَّنْفِير فَلَيْتَ اَلدَّهْر يَنَام عَنْهُمَا
وَيَتْرُكهُمَا وَشَأْنهمَا وَلَا يُنَفِّس عَلَيْهِمَا هَذِهِ اَلسَّاعَات اَلْقَلِيلَة مِنْ اَلسَّعَادَة اَلَّتِي
اِبْتَاعَاهَا بِكَثِير مِنْ دُمُوعهمَا وَآلَامهمَا وَاَلَّتِي لَا يَمْلِكَانِ مِنْ سَعَادَة اَلْحَيَاة
سِوَاهَا فَإِنْ خَسِرَاهَا خَسِرَا كُلّ شَيْء ?
بَيْنَمَا هَمَّا جَالِسَانِ ذَات يَوْم عَلَى ضَفَّة جَدْوَل مِنْ جَدَاوِل عَيْن اَلدَّمْع إِذْ مَرَّ بِهِمَا
اَلدُّون رودريك اِبْن حَاكِم مَدِينَة غَرْنَاطَة فَرَآهَا فِي مَجْلِسهَا هَذَا مِنْ حَيْثُ لَا
يُرِيَانِهِ وَكَانَ قَدْ رَأَى فلورندا قَبْل اَلْيَوْم فَأَحَبّهَا فَاخْتَلَفَ إِلَى مَنْزِلهَا أَيَّامًا
يَتَحَبَّب إِلَيْهَا وَيَدْعُوهَا إِلَى اَلزَّوَاج مِنْهُ فَأَبَتْ أَنْ تُصْغِي إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ إِنَّنِي لَا
أَتَزَوَّج اِبْن قَاتِل أَبِي فَانْصَرَفَ بِلَوْعَة لَا تَزَال كَامِنَة ف يُنَفِّسهُ حَتَّى اَلْيَوْم فَلِمَا
رَآهَا جَالِسَة مَجْلِسهَا هَذَا زَعَمَ فِي نَفْسه أَنَّهَا مَا أَوْصَدَتْ بَاب قَبْلهَا فِي وَجْهه إِلَّا
لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ فَتَحَتْهُ مِنْ قَبْل لِذَلِكَ اَلْفَتِيّ اَلْعَرَبِيّ اَلْجَمِيل اَلَّذِي يُجَالِسهَا فَذَهَبَ
إِلَى قَصْرهَا فِي اَلْيَوْم اَلثَّانِي لِيُفْضِيَ إِلَيْهَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسه فَأَبَتْ أَنْ تُقَابِلهُ
فَخَرَجَ غَاضِبًا يُحَدِّث نَفْسه بِأَفْظَع أَنْوَاع اَلِانْتِقَام.
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى سِيقَ اَلْأَمِير سَعِيد بْن يُوسُف بْن أَبِي عَبْد اَللَّه سَلِيل
بَنِي اَلْأَحْمَر مُلُوك هَذِهِ اَلْبِلَاد بِالْأَمْسِ وَمُؤَسِّسِي مَجْدهَا وَعَظَمَتهَا وَبُنَاة قِلَاعهَا
وَحُصُونهَا وَأَصْحَاب قُصُورهَا وَبَسَاتِينهَا ذَلِيلًا مُهَانًا إِلَى مَحْكَمَة اَلتَّفْتِيش مُتَّهَمًا
بِمُحَاوِلَة إِغْرَاء فَتَاة مَسِيحِيَّة بِتَرْك دِينهَا وَهِيَ عِنْدهمْ أَفْظَع اَلْجَرَائِم وَأُهَوِّلهَا.