العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ١٢٢
يَزَلْ سَائِرًا مَعَهَا حَتَّى وَصَلَا إِلَى اَلْمَنْزِل فَوَدَّعَهَا وَمَضَى بَعْد
مَا بِالْإِغْوَاءِ أَنْ يَتَخَلَّف إِلَيْهَا مِنْ حِين إِلَى حِين بِالْإِغْوَاءِ بِذَلِكَ وَصَعِدَتْ إِلَى
غُرْفَتهَا فَلَمَّا خَلَتْ بِنَفْسِهَا أَنْشَأَتْ تُفَكِّر فِي أَمْر تِلْكَ اَلْفَتَاة اَلْمِسْكِينَة اَلَّتِي
اِخْتَطَفَهَا اَلْمَوْت مِنْ يَد أَبِيهَا فِي زَهْرَة صِبَاهَا مِنْ حَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ طَبِيب وَلَا عَائِد
رَدّ دَعَايَة اَلْقَضَاء عَنْهَا ثُمَّ خَطَرَ لَهَا أَنَّهَا مَرِيضَة بِمِثْل اَلْمَرَض اَلَّذِي مَاتَتْ بِهِ
وَأَنَّهَا رُبَّمَا مَاتَتْ مَوْتَتهَا فَلَا تَجُدْ بِجَانِبِهَا أَبَا كَهَذَا اَلْأَب يَنْدُبهَا وَيَبْكِي
عَلَيْهَا فَأَثَر فِي نَفْسهَا هَذَا اَلْخَاطِر تَأْثِيرًا شَدِيدًا وَبَكَتْ لَهُ بُكَاء طَوِيلًا وَلَزِمَتْ
غُرْفَتهَا فِي ذَلِكَ اَلْيَوْم لَا تُفَارِقهَا.
وَظَلَّ اَلدُّوق يَخْتَلِف إِلَيْهَا بَعْد ذَلِكَ فَيُجَالِسهَا طَوِيلًا وَيَجِد مِنْ اَلْأُنْس بِهَا
وَالِاغْتِبَاط بِعَشَرَتِهَا مَا تَسْكُن بِهِ لَوْعَة نَفْسه كُلَّمَا شَبَّهَا اَلْوَجْد فِي صَدْره حَتَّى أَصْبَحَ
لَا يَسْتَطِيع مُفَارَقَتهَا سَاعَة وَاحِدَة وَكَأَنَّمَا لَذَّ لَهَا أَنْ يَرَى ذَلِكَ اَلشَّيْخ الثامل
اَلْمَنْكُوب فِي وَجْههَا سَلْوَته وَعَزَاءَهُ فَمَنَحَهُ مِنْ عَطْفهَا وَحُبّهَا مَا لَمْ تَمْنَحهُ أَحَدًا
مِنْ قَبْله وَأَنِسَتْ بِهِ أُنْسًا لَمْ تَأْنَسهُ بِإِنْسَان سِوَاهُ.
وَمَا هِيَ أَيَّام قَلَائِل حَتَّى أَبْلَتْ مِنْ مَرَضهَا بَعْض الإبلال وَعَاد إِلَى وَجْههَا رَوْنَقه
وَبَهَاؤُهُ وَإِلَى ثَغْرهَا اَلْبَدِيع اِبْتِسَامه وافتراره فَلَذَّ لَهَا اَلْمَقَام فِي البانيير
أَيَّامًا طِوَالًا حَتَّى شَعَرَتْ بِهُبُوب رِيَاح اَلشِّتَاء فَأَزْمَعَتْ اَلْعَوْدَة إِلَى بَارِيس فَشَقَّ ذَلِكَ
عَلَى اَلدُّوق وَعَلَم أَنَّهَا إِنْ عَادَتْ إِلَيْهَا لَا يَظْفَر مِنْهَا فِي ذَلِكَ اَلْمُزْدَحِم اَلْعَظِيم
اَلْحَافِل بِخُلَّانِهَا وَأَصْدِقَائِهَا بِمِثْل مَا كَانَ يَظْفَر بِهِ مِنْهَا فِي البانيير فَخَلَّى بِهَا
لَيْلَة اَلسَّفَر سَاعَة وَحَادَثَهَا حَدِيثًا طَوِيلًا وَانْتَهِي بِالِاتِّفَاقِ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَهْجُر
حَيَاتهَا اَلْأَوْلَى حَيَاة المخالة وَالْمُعَاشَرَة وَتَعِيش