العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ٧٨
اَلَّذِينَ
لَا يُصْلِحُونَ لِعَمَل مِنْ اَلْأَعْمَال لِيَتَوَارَوْا فِيهَا عَنْ أَعْيُن اَلنَّاس حَيَاء وَخَجَلًا حَتَّى
يَأْتِيهِمْ اَلْمَوْت فَيُنْقِذهُمْ عَنْ هارهم وَشَقَائِهِمْ وَمَا أَنْتَ بِوَاحِد مِنْهُمْ!
إِنَّك تَمْشِي يَا سَيِّدِي فِي طَرِيق اَلْقَبْر وَمَا أَنْتَ بِنَاقِم عَلَى اَلدُّنْيَا وَلَا يَتَبَرَّم بِهَا
فَمَا رَغَّبَتْك فِي اَلْخُرُوج مِنْهَا خُرُوج اَلْيَائِس اَلْمُنْتَحِر عَذَرْتُك لَوْ أَنَّ مَا رَبِحَتْ فِي
حَيَاتك اَلثَّانِيَة يَقُوم لَك مَقَام مَا خَسِرَتْ مِنْ حَيَاتك اَلْأُولَى وَلَكِنَّك تَعْلَم أَنَّك كُنْت
غَنِيًّا فَأَصْبَحَتْ فَقِيرًا وَصَحِيحًا فَأَصْبَحَتْ سَقِيمًا وَشَرِيفًا فَأَصْبَحَتْ وَضِيعًا فَإِنْ كُنْت
تَرَى بَعْد ذَلِكَ أَنَّك سَعِيد فَقَدْ خَلَتْ رُقْعَة اَلْأَرْض مِنْ اَلْأَشْقِيَاء.
إِنَّ كُلّ مَا يَعْنِيك مِنْ حَيَاتك هَذِهِ أَنْ تَطْلُب فِيهَا اَلْمَوْت فَاطْلُبْهُ بِالْإِغْوَاءِ سُمّ
تَشَرُّبهَا دُفْعَة وَاحِدَة فَذَلِكَ خَيْر لَك مِنْ هَذَا اَلْمَوْت اَلْمُتَقَطِّع اَلَّذِي يَكْثُر فِيهِ عَذَابك
وَأَلَمك وَتُعَظِّم فِيهِ آثَامك وَجَرَائِمك وَمَا يُعَاقِبك اَللَّه عَلَى اَلْأُخْرَى بِأَكْثَر مِمَّا
يُعَاقِبك عَلَى اَلْأُولَى.
حَسْبنَا يَا صِدِّيق مِنْ اَلشَّقَاء فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة مَا يَأْتِينَا بِهِ اَلْقَدْر فَلَا نُضَمّ إِلَيْهِ
شَقَاء جَدِيدًا نَجْلِبهُ بِأَنْفُسِنَا لِأَنْفُسِنَا فَهَاتِ يَدك وَعَاهَدَنِي عَلَى أَنْ تَكُون لِي مُنْذُ
اَلْيَوْم كَمَا كُنْت لِي بِالْأَمْسِ فَقَدْ كُنَّا سُعَدَاء قَبْل أَنْ نَفْتَرِق قُمْ اِفْتَرَقْنَا فَشَقِينَا
وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ اِلْتَقَيْنَا فَلِنَعْش فِي ظِلَال اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف سُعَدَاء كَمَا كُنَّا ثُمَّ
مَدَدْت يَدَيْ إِلَيْهِ فَرَاعَنِي أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّك يَده فَقُلْت لَهُ مَالِك لَا تَمُدّ يَدك إِلَيَّ
فاستعبر بَاكِيًا وَقَالَ لِأَنَّنِي لَا أُحِبّ أَنْ أَكُون