العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ٩١
عَلَى بَاب اَلْقَصْر فَنَزَلَ مِنْ مَرْكَبَته وَضَمَّهُمَا مَعًا إِلَى صَدْره
ضَمًّا شَدِيدًا وَظَلَّ يَقْبَلهُمَا وَيَبْكِي فَرَحًا وَسُرُورًا.
فَإِنَّهَا بِالْإِغْوَاءِ فِي حَمْلهَا هَذَا إِذْ شَعَرَتْ بِيَد تَحَرُّكهَا فَانْتَبَهَتْ فَإِذَا صَدَرَ اَلنَّهَار
قَدْ عَلَا وَإِذَا خَادِمَتهَا وَاقِفَة عَلَى رَأْسهَا ضَاحِكَة متطلقة تَقُول لَهَا بِشِرَاك يَا
سَيِّدَتِي فَقَدْ حَضَرَ سَيِّدِي فاستطيرت فَرَحًا وَسُرُورًا وَقَالَتْ أَحْمَدك اَللَّهُمَّ فَقْد صَدَقَتْ
أَحْلَامِي وَأَسْرَعَتْ إِلَى غُرْفَة مَلَابِسهَا فَبَدَّلَتْ أَثْوَابهَا ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي غُرْفَته
بَاسِمَة مُتَهَلِّلَة تَحْمِل اِبْنَتهَا عَلَى يَدهَا فَرَأَتْهُ وَاقِفًا فِي وَسَط اَلْغُرْفَة مُتَّكِئًا عَلَى
كُرْسِيّ بَيْن يَدَيْهِ فَهَرِعَتْ إِلَيْهِ وَلَكِنَّهَا مَا دَنَتْ مِنْهُ حَتَّى تَرَاجَعَتْ جَائِرَة مدهوشة
لِأَنَّهَا رَأَتْ أَمَامهَا رَجُلًا لَا تَعَرُّفه وَلَا عَهْد لَهَا بِهِ مِنْ قَبْل لَا بَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ
وَلَكِنَّهَا رَأَتْ وَجْهًا صَامِتًا مُتَحَجِّرًا لَا تَلْمَع فِيهِ بَارِقَة اِبْتِسَام وَلَا تَجْرِي فِيهِ
نَظْرَة بِشَاشَة فَأَنْكَرَتْهُ إِلَّا أَنَّهَا تَمَاسَكَتْ قَلِيلًا وَمَدَّتْ إِلَيْهِ يَدهَا تُحْيِيه فَمَدَّ
إِلَيْهَا يَده بِتَثَاقُل وَفُتُور كَأَنَّمَا يَنْقُلهَا مِنْ مَكَانهَا نَقْلًا وَلَمْ يَلِقْ عَلَى وَجْه
اَلطِّفْلَة وَكَانَتْ تَبْتَسِم إِلَيْهِ وَتَمُدّ نَحْوه ذِرَاعَيْهَا نَظْرَة وَاحِدَة وَكَانَتْ أَوَّل كَلِمَة
قَالَهَا لَهَا أباقية أَنْتِ فِي اَلْقَصْر حَتَّى اَلْيَوْم فَازْدَادَتْ دَهْشَة وَحَيْرَة وَلَمْ تُفْهِم
مَاذَا يُرِيد وَقَالَتْ لَهُ وَأَيْنَ كُنْت تُرِيد أَنْ تَرَانِي يَا سَيِّدِي قَالَ فِي هَذَا اَلْقَصْر كَمَا
تَرَكَتْك وَلَكِنِّي أَظُنّ أَنَّك لَا تَسْتَطِيعِينَ اَلْبَقَاء فِيهِ بَعْد اَلْيَوْم قَالَتْ:
لِمَاذَا قَالَ لِأَنَّ زَوْجَتِي قَادِمَة إِلَيْهِ اَلْيَوْم رُبَّمَا كَانَتْ لَا تُحِبّ أَنْ تَرَى فِيهِ مَنْ
يُزْعِجهُ وُجُودهَا.
هُنَالِكَ شَعَرَتْ أَنَّ جَمِيع مَا كَانَ يَنْبَعِث فِي عُرُوقهَا مِنْ اَلدَّم قَدْ تَرَاجَعَ كُلّه دُفْعَة
وَاحِدَة إِلَى قَلْبهَا فَأَصْبَحَ وَحْده اَلْوَاجِب