العبرات للمنفلوطي - المنفلوطي - الصفحة ١١٢
وَإِنَّهَا أَطْهَر مِنْ اَلزَّهْرَة
المطلولة وَأَنْقَى مِنْ اَلْقَطْرَة اَلصَّافِيَة.
لَقَدْ أَحْبَبْت هَذِهِ اَلْفَتَاة مُنْذُ كَانَتْ طِفْلَة لَاعِبَة وَأَحَبَّتْنِي كَذَلِكَ ثُمَّ شَبَبْنَا وَشَبَّ
اَلْحُبّ مَعَنَا فَتَعَاقَدْنَا عَلَى اَلْوَفَاء وَالْإِخْلَاص ثُمَّ خَطَبْتهَا إِلَى أَبِيهَا فأخطبني
رَاضِيًا مَسْرُورًا حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْن اَلْبِنَاء بِهَا إِلَّا أَيَّام مَعْدُودَات إِذْ
نَزَلَتْ بِأَبِيهَا نَازِلَة اَلْمَوْت فَعَلِمْنَا أَنْ لَا بُدّ لَنَا مِنْ اَلِانْتِظَار بِأَنْفُسِنَا عَامًا
كَامِلًا فَفِعْلنَا حَتَّى إِذَا اِنْقَضَى اَلْعَام أَوْ كَادَ حَدَث أَنْ ذَهَبْت اَلْفَتَاة إِلَى قَاضِي
اَلْمَدَنِيَّة فِي أَمْر يَتَعَلَّق بِمِيرَاثِهَا فَرَآهَا اَلْقَاضِي فَتَبِعْتهَا نَفْسه فَأَرْسَلَ وَرَاء
عَمّهَا وَكَانَ وَلِيّ أَمْرهَا بَعْد أَبِيهَا وَهُوَ رَجُل مِنْ اَلطَّامِعِينَ اَلْمُدَاهِنِينَ اَلَّذِينَ لَا
يُبَالُونَ أَنْ يَخُوضُوا بَحْرًا مِنْ اَلدَّم إِذَا تَرَاءَى لَهُمْ عَلَى شَاطِئه اَلْآخَر دِينَار لَامِع
فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَغْبَته فِي اَلزَّوَاج مَعَ اِبْنَة أَخِيهِ فَطَارَ بِهَذِهِ اَلْمِنْحَة فَرَحًا وَسُرُورًا
وَلَمْ يَتَرَدَّد فِي إِجَابَة طَلَبَهُ وَعَادَ إِلَى اَلْفَتَاة يَحْمِل إِلَيْهَا هَذِهِ اَلْبُشْرَى
فَاسْتَقْبَلَتْهُ بِوَجْه بَاسِر وَقَالَتْ لَهُ إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَكُون خَطِيبَة رَجُلَيْنِ فِي آن
وَاحِد فَلَمْ يُبْلَ بِقَوْلِهَا وَقَالَ لَهَا سَتَتَزَوَّجِينَ مِمَّنْ أُرِيد طَائِعَة أَوْ كَارِهَة فَلَا خِيَار
لَك فِي نَفْسك إِنَّمَا اَلْخِيَار لِي فِي أَمْرك وَحْدِي وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى أَعَدُّوا
لَهَا عُدَّة زَوَاجهَا وَسُمُوًّا يَوْمًا لِزِفَافِهَا فَمَا غَرَبَتْ شَمْس ذَلِكَ اَلْيَوْم حَتَّى جَمَعَتْ مَا
كَانَ لَهَا فِي بَيْتهَا مِنْ ثِيَاب وَحِيلَة وَخَرَجَتْ تَحْت سِتَار اَللَّيْل هَائِمَة عَلَى وَجْههَا لَا
تَعْلَم أَيْنَ تَذْهَب وَلَا أَيّ طَرِيق تَسْلُك وَكَانَ عَمّهَا قَدْ رَفَعَ إِلَى اَلْقَاضِي أَمْر فِرَارهَا
فَبَثَّ عَلَيْهَا عُيُونه وَأَرْصَاده يَطْلُبُونَهَا فِي كُلّ مَكَان حَتَّى لَمَحَهَا بَعْضهمْ جَالِسَة تَحْت
بَعْض اَلْجُدْرَان فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَذُعِرَتْ لِمَرْآهُ وَتَرَكَتْ حَقِيبَتهَا مَكَانهَا وَفَّرَتْ بَيْن يَدَيْهِ