الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٤٣
تمسحهم، وفي صلاتها يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامّه وسباع البر وأنعامه، لأنّ العلم حياة القلب من العمى، و [نور] الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد بالعلم منار الأبرار ومنازل الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الفكرة فيه تعدل بالصيام ومدارسته تعدل بالقيام، به يطاع ربنا ويعبد، وبه يعمل له ويحفد، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام، يرزقه الله عزّ وجلّ السعداء ويحرمه الأشقياء، ألا! وإن المتقين سادة، والفقهاء قادة، والنظر إليهم عبادة، والجلوس إليهم بركة وزيادة.
قال: ثم شهد معاذ بن جبل شهادة الحق وتوفي- رضي الله عنه-. وقد استخلف على المسلمين عمرو بن العاص، وهو الذي صلى عليه وأدخله قبره في رجال. فلمّا خرجوا وحثوا عليه التراب قال عمرو بن العاص: رحمة الله عليك يا معاذ! فلقد [١] كنت ناصحا للمسلمين عظيم الغنى عن جماعتهم [١] ، كنت مؤدّبا للجهال، شديدا على الفاجر [رحيما بالمؤمنين] [٢] وأيم الله لم نجد بعدك مثلك أبدا.
قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما [٣] :
بسم الله الرحمن الرحيم [٤] ، لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد! فإنه قد حدث من قضاء الله الذي كتبه على عباده أن توفي معاذ بن جبل رحمة الله عليه، فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في معاذ وأجرنا معك! وقد استأذنني المسلمون في التنحي عن القرى والمدن إلى البراري والفلوات فأذنت لهم في ذلك وعلمت أن إقامة المقيم لا يفوته شيء من أجله، وكذلك الهارب لا [٥] يفوت ربّه ولا [٦] يتعدى ما قدّر عليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته [٧] .
[١] عند الأزدي ص ٢٧٢ فقد كنت ما علمناك من فصحاء المسلمين، ومن خيارهم ومن أعلامهم.
[٢] عن الأزدي.
[٣] نسخته في فتوح الأزدي ص ٢٧٣ والوثائق السياسية وثيقة رقم ٣٥٧/ د. ص ٤٩٠.
[٤] سقطت البسملة عند الأزدي والوثائق.
[٥] عند الأزدي: لا يباعده من أجله.
[٦] عند الأزدي: ولا يدفع به قدره.
[٧] من هنا سقطت العبارة من الأصل وقد أثبتنا بين معكوفتين ترجمة الفارسية لهذا الكتاب ص ٧٣- ٧٦.