الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٣٠
الماء فسلموا عليه ورحبوا به وعرضوا عليه فقال عمر رضي الله عنه: ما لي إليكم من حاجة، ولكن إن كانت لكم قبلي حاجة فقولوا! فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين! عندنا ههنا رجل له امرأتان وهما أختان أفيحل ذلك؟ فاشمأز [١] عمر من قوله ثم قال: ويحك وكيف يحل ذلك وقد قال الله عزّ وجلّ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ٤: ٢٣ [٢] ثم قال عمر رضي الله عنه: عليّ بهذا الرجل، فأتي به فقال له عمر رضي الله عنه: ما هاتان المرأتان اللتان عندك؟ فقال الرجل: هما امرأتاي، فقال عمر: فهل بينهما قرابة؟ قال: نعم، هما أختان، فقال عمر رضي الله عنه: فما دينك ألست مسلما؟ قال: بلى! قال عمر: أفعلمت أن هذا عليك حرام؟ فقال الرجل: لا والله ما علمت، وما هما عليّ حرام، فقال له عمر رضي الله عنه:
كذبت والله يا عدو نفسه وإنه لحرام عليك! ولتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك من قبل أن أكلمك كلمة ولكنه إنما حقنت دمك بقولك إنك لا تعلم أنه حرام، قال:
فقال له الرجل: أجاد أنت في قولك يا عمر؟ فقال عمر: والله الذي لا إله إلا هو إني لجاد فيما تسمعه! ولتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك، فقال الرجل: نزح [٣] ، الله هذا من دين، فوالله ما أصبت منه خيرا منذ دخلت فيه، قال: فقال عمر: قربوه مني، فأدنوه منه، فخفق عمر رأسه بالدرة خفقات ثم قال: يا عدو الله! أتشتم دين الله ارتضاه لنفسه وملائكته وأنبيائه ورسله وخيرته من خلقه، خل سبيل إحداهما وإلا قتلتك، قال الرجل: فأيتهما أخلي؟ قال: اقرع بينهما سهمين لكل منهما سهم ثم اضرب، فإذا خرج سهم إحداهما فأمسكها عندك وخل سبيل الأخرى.
قال: ففعل الجذامي ما أمر به عمر، فلما خلى سبيل إحداهما دعا به عمر رضي الله عنه فقال: اسمع مني ما أخبرك به، إذا أسلم الرجل ودخل في ديننا هذا ثم رجع عنه قتلناه، فإياك أن يحملك الغضب لما أمرتك أن تفارق الإسلام فتقتل [٤] ، وإياك أن يبلغني عنك أنك دخلت إلى هذه المرأة التي فارقتها أو دنوت
[١] الواقدي: فغضب.
[٢] النساء: ٢٣.
[٣] الأزدي: قبح.
[٤] في رواية ابن مسعود عن رسول الله (ص) قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.