الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٨٥
أصبت وأحسنت أيها الوزير فاعمل برأيك.
قال: فلم يشعر المسلمون إلّا ورجل من الروم قد وافاهم، فلمّا نظروا إليه في عسكرهم أنكروه ثم دنوا منه فقالوا: من أنت ومن أين أقبلت؟ فتكلم بالعربية فقال:
أنا رجل من الروم من أهل عمّورية، بعثت إليكم فأين أميركم أبو عبيدة بن الجراح؟
فقالوا: هو ذاك، وأقبلوا به إلى أبي عبيدة حتى أوقفوه بين يديه، فقال له أبو عبيدة:
اجلس وتكلم بحاجتك.
قال: فجلس الرومي فقال: أنا رسول ماهان إليكم وزير ملك الروم وعامل على بلاده وقائده على جميع جنده، بعثني إليكم وهو يسألكم أن تبعث إليه بالرجل الذي كان أميرا قبلك ثم عزل ووليت أنت من بعده الذي يقال له خالد بن الوليد [١] ، فقد بلغه عنه أنّه رجل له حسب وقد علمنا أن ذوي الأحساب أفضل من غيرهم، فنحن نحبّ أن نخبره بما نريد ونسأله عما تريد، فإن وقع بيننا وبينكم اتفاق لنا ولكم فيه صلاح ورضى أخذنا به وحمدنا الله عزّ وجلّ على ذلك، وإن لم يتفق بيننا وبينكم شيء كان الحرب [٢] من وراء ذلك بعد الإعذار والإنذار.
قال: فدعا أبو عبيدة بخالد بن الوليد فخبره بذلك [٣] ، فقال خالد بن الوليد:
فإني صائر إليه غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
قال: وحضرت صلاة المغرب فأذّن المؤذن من كل ناحية وصلّوا، حتى إذا فرغوا من صلاتهم قال خالد: عليّ بالرسول، فأتوا به فقال له: هذا وقت مساء ولكن إذا كان غدا غدوت إلى صاحبك إن شاء الله فارجع إليه وأعلمه ذلك. قال:
فقعد الرومي عند القوم ولم يبرح وجعل ينظر إليهم كيف يصلّون ويدعون ويستغفرون
[١] عند الواقدي في فتوح الشام ١/ ١٨٤ أن مهمة جرجة الأساسية كانت تنحصر في محاولة إدخال خالد بن الوليد على معسكر الروم بعد ما نقل جبلة بن الأيهم إلى ماهان أنه أدهى وأخطر القواد المسلمين وأنه هو الذي يثبتهم ويرمي بهم كل المرامي وهو الذي كسر عساكر الروم في شتى المواضع والمواطن.
[٢] عند الأزدي: القتل.
[٣] زيد عند الأزدي ص ١٩٥ وقال لخالد: القهم، فادعهم إلى الإسلام فإن قبلوا فهو حظهم ... وإن أبوا فأعرض عليهم الجزية بأن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، وأن أبوا فأعلمهم أننا نناجزهم ونستعين الله عليهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين (وانظر فتوح الشام للواقدي ١/ ١٨٥) .