الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٩٧
ثم قال: أين أبو سليمان خالد بن الوليد؟ فأجابه بالتلبية، فقال: أنت يا أبا سليمان أبرز إلى الكفار في أبطال المسلمين وصد عن الحريم إلى أن تأخذ الرجال صفوفها ويستعدوا للحرب [١] ، فقال: حبا وكرامة.
ثم إنّ خالدا صاح بأبطال المسلمين المذكورين، وجعل يدعو برجل رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّن شهد معه المواطن والمواضع المفضّلة وأصحاب التقدمة، حتى دعا بخمسمائة فارس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يخافون لومة لائم، ثم استقبلوا جيوش المشركين بأسنّة الرماح وأشعلوا الحرب بنارها، واشتغل أبو عبيدة بترتيب الجيوش وتعبية العسكر.
وأقبل أبو سفيان إلى أبي عبيدة وقال: أيها الأمير! مر النساء يعلون على هذا التلّ، فأمرهن أبو عبيدة بذلك فعلت النساء على التلّ ومعهن الأطفال والصغار، وقال لهن أبو عبيدة: خذن بأيديكنّ أعمدة السيوف وأعمدة البيوت والفساطيط واجمعن الحجارة بين أيديكن وحرّضن المؤمنين على قتال المشركين، فإن كان الأمر لنا فكنّ على ما أنتنّ عليه، وإن رأيتنّ أحدا من المسلمين منهزما فاضربن وجهه بأعمدة البيوت واضربنه [٢] بالحجارة وادفعن إليه أولاده وقلن له: قاتل عن ولدك وعن بيعة الإسلام، فقالت النساء: أيها الأمير أبشر بما يسرّك.
قال [٣] : ولما حصن أبو عبيدة النساء بالتلّ أقبل يعبي جيشه، وقد ابتدر المسلمون للقتال بعد أن عبّاهم ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين، وقدم أصحاب الرايات، وكانت راية المهاجرين صفراء وفيها بياض وخضرة وسواد، وسائر القبائل
[١] عند الواقدي ١/ ١٩١ قال أبو عبيدة لخالد: قد وليتك على الخيل والرجل فول أمر الرجالة من شئت.
وقد قرر المسلمون ألا يخرجوا إلى الروم إلا أن يأتوهم حتى يلطوا بعسكرهم أو يضطروهم إلى ذلك.
وكانوا قد رأوهم كأنهم الجراد قد ملأوا الأرض، فنهضوا عندئذ إلى راياتهم دون تعبئة. ثم راح أبو عبيدة وأصحابه يعبئون الناس وصفوفهم ولم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. وقال الأزدي ص ٢١٧ وجعل (أبو عبيدة) على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته قباث بن أسيم، وجعل على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وجعل على الخيل خالد بن الوليد. (وانظر فتوح الشام للواقدي ١/ ١٩١- ١٩٢ وما قاله الطبري في تعبئة المسلمين يوم اليرموك ٣/ ٣٩٦) .
[٢] عند الواقدي ١/ ٢٠٣ واحصينه.
[٣] خبر تعبئة أبي عبيدة للمسلمين في فتوح الشام للواقدي ١/ ٢٠٣.