الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٨٦
ويتضرعون، فأعجبه ذلك منهم. فقال عمرو بن العاص: أيّها المسلمون! إنّ الرسول قد وقع في قلبه حبّ الإيمان، وقال أبو عبيدة: والله! إني لأرجو أن يكون الله عزّ وجلّ قد قذفه في قلبه وحبّبه إليه وعرّفه فضله.
قال: ثم أقبل الرومي على أبي عبيدة فقال: يا شيخ! خبرني متى دخلتم في هذا الدين ومتى دعيتم إليه؟ قال: منذ بضع وعشرين سنة. قال الرومي: إنّ كلكم دخلتم في هذا الدين في وقت واحد؟ قال أبو عبيدة: لا، ولكن منّا من دخل فيه حين دعاه الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومنّا من دخل فيه بعد ذلك، قال:
فخبّرني هل كان نبيّكم خبّركم أن يكون بعده نبي رسول؟ قال أبو عبيدة: لا، ولكن خبّرنا أنّه لا نبي بعده، وخبّرنا أيضا أن عيسى ابن مريم قد بشّر به قومه، فقال الرومي: وأنا أشهد على عيسى ابن مريم أنّه قد بشّر في الإنجيل براكب الجمل الأحمر ولا أظنه إلا صاحبكم ولكني أحبّ أن أعلم ما تقولون في عيسى ابن مريم! فقال أبو عبيدة: نقول فيه كما قال الله عزّ وجلّ لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلم وآله إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٣: ٥٩ [١] ، وقد خبّرنا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه من ربّه أنّه قال جلّ وعزّ:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ ٤: ١٧١ [٢]- إلى قوله تبارك وتعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ [وَلَا] الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ٤: ١٧٢ [٢] ، قال الرومي: أنا أشهد لنبيّكم أنّه صادق [٣] وأنّكم صادقون ولكن إن أنا أسلمت وجاهدت معكم تضمنون لي الجنّة؟ فقال له أبو عبيدة: أو تعرف الجنّة يا رومي؟
قال: وكيف لا أعرفها وقد وصفها لنا عيسى ابن مريم في الإنجيل! قال أبو عبيدة:
فنحن نضمن لك علي الله تبارك وتعالى أنك إن أسلمت وصلّيت وصمت وجاهدت ولم تغيّر ولم تبدّل فإنّك من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، قال الرومي: اشهدوا عليّ بأجمعكم [٤] أني من المسلمين. فقال أبو عبيدة: إنك إن أقمت عندنا الليلة ومضى رسولنا إليهم غدا احتسبوه عندهم لأجلك ولكن انطلق إليهم واكتمهم إسلامك
[١] سورة آل عمران: ٥٨.
[٢] سورة النساء آية ١٧٠ وآية ١٧١.
[٣] زيد عند الأزدي: وأنه الذي بشرنا به عيسى.
[٤] وكان الرومي قد دعا أبا عبيدة لأن يحضر إليه رجلين من أفضل أصحابه فدعا أبو عبيدة معاذ بن جبل وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.