(من أراد الدنيا فلا ينصحك ومن أراد الآخرة فلا يصحبك) فالذي يريد الدنيا يسير في ركب صاحبها فلا يقول كلمة لله. والذي يريد الآخرة يعتزل مجالس رجل يعجزه عمله ويعميه أمله عن طريق الآخرة.
وصدق " جعفر الصادق " ولم يكذب أبو جعفر المنصور فلقد كان أحوج الناس إلى النصيحة. وكانت صحبة الصادق له أمانا من النار.
* * * دخل عليه سفيان الثوري يوما فقال له: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا فطأطأ رأسه وقال: ارفع حاجتك.. قال سفيان:
حج عمر فقال للخازن كم أنفقنا من بيت المال قال: بضعة عشر درهما.
وأرى هنا أموالا لا تطيق الجمال حملها...
وخرج سفيان.
ولما راجع المنصور كاتبه ليقتل سفيان قال له (اسكت يا أنوك (أحمق). فما بقى على الأرض من يستحى منه غير " مالك " وسفيان) (١) وإذا كان هذان الإمامان اللذان ليس في الأرض غيرهما، تلميذين في مجلس الإمام الصادق. يلتمسان علمه ويترسمان هديه. فما أحوج الخليفة إلى أن يقارب مجلس الصادق بأن يدعوه إلى مجلسه.
الإمام جعفر الصادق (ع)
(١)
تقديم
٢ ص
(٢)
الباب الأول ظهور الإسلام
٩ ص
(٣)
ظهور الإسلام
١٠ ص
(٤)
الفصل الأول: أخو النبي صلى الله عليه و سلم
١١ ص
(٥)
الفصل الثاني: أبو الشهداء
٣٤ ص
(٦)
ريحانة النبي في كربلاء
٤٥ ص
(٧)
الباب الثاني بين السلطان و الامام
٥٩ ص
(٨)
الفصل الأول: بين السلطان و الامام
٦١ ص
(٩)
أهل البيت
٦٢ ص
(١٠)
بين أبناء على و بنى العباس
٦٩ ص
(١١)
الفصل الثاني: الرجلان
٨٤ ص
(١٢)
الباب الثالث امام المسلمين
١٠٠ ص
(١٣)
الفصل الأول: في المدينة المنورة
١٠٢ ص
(١٤)
أهل المدينة
١١١ ص
(١٥)
زين العابدين
١١٨ ص
(١٦)
الباقر
١٢٤ ص
(١٧)
الفصل الثاني: امام المسلمين
١٢٩ ص
(١٨)
مجالس العلم
١٣٦ ص
(١٩)
التلاميذ الأئمة
١٤١ ص
(٢٠)
كل العلوم
١٤٨ ص
(٢١)
مع القرآن
١٥٥ ص
(٢٢)
مع أهل الكوفة و أبي حنيفة
١٦١ ص
(٢٣)
المذهب الجعفري
١٦٨ ص
(٢٤)
الباب الرابع المدرسة الكبرى
١٧٤ ص
(٢٥)
الفصل الأول: المدرسة الكبرى
١٧٦ ص
(٢٦)
المصحف الخاص أو كتاب الأصول
١٧٧ ص
(٢٧)
مصحف فاطمة
١٧٨ ص
(٢٨)
التدوين
١٧٨ ص
(٢٩)
مشيخة العلماء
١٨٨ ص
(٣٠)
التلاميذ من الشيعة
١٩٥ ص
(٣١)
الفصل الثاني الدرس الكبير
٢٠٦ ص
(٣٢)
السنة
٢١٤ ص
(٣٣)
الإمامة
٢٢٢ ص
(٣٤)
أمور خلافية في الفقه
٢٣٥ ص
(٣٥)
الباب الخامس المنهج العلمي
٢٥٠ ص
(٣٦)
الفصل الأول التجربة و الاستخلاص
٢٥٢ ص
(٣٧)
الفصل الثاني في السياسة و الاجتماع
٢٧٩ ص
(٣٨)
في الدولة و قواعدها
٢٨١ ص
(٣٩)
المجتمع الجعفري
٢٩٣ ص
(٤٠)
في المجتمع و دعائمه
٢٩٩ ص
(٤١)
الاخوة
٣٠٢ ص
(٤٢)
المرأة
٣٠٦ ص
(٤٣)
العلم
٣٠٧ ص
(٤٤)
الدعاء
٣٠٩ ص
(٤٥)
الفصل الثالث المنهج الاقتصادي
٣١١ ص
(٤٦)
العمل
٣١٤ ص
(٤٧)
المضطرب بما له و المترفق بيده
٣١٦ ص
(٤٨)
المال
٣٢٤ ص
(٤٩)
العبادة و النفاق المال
٣٢٥ ص
(٥٠)
كنز المال
٣٣١ ص
(٥١)
الباب السادس في الرفيق الاعلى
٣٣٤ ص
(٥٢)
عدالة السماء
٣٤١ ص
١ ص
٣ ص
٤ ص
٥ ص
٦ ص
٧ ص
٨ ص
٩ ص
١١ ص
١٣ ص
١٥ ص
١٧ ص
١٨ ص
١٩ ص
٢٠ ص
٢١ ص
٢٢ ص
٢٣ ص
٢٤ ص
٢٥ ص
٢٦ ص
٢٧ ص
٢٨ ص
٢٩ ص
٣٠ ص
٣١ ص
٣٢ ص
٣٣ ص
٣٤ ص
٣٥ ص
٣٦ ص
٣٧ ص
٣٨ ص
٣٩ ص
٤١ ص
٤٢ ص
٤٣ ص
٤٤ ص
٤٥ ص
٤٦ ص
٤٧ ص
٤٨ ص
٤٩ ص
٥٠ ص
٥١ ص
٥٢ ص
٥٣ ص
٥٤ ص
٥٥ ص
٥٦ ص
٥٧ ص
٥٨ ص
٥٩ ص
٦٠ ص
٦١ ص
٦٢ ص
٦٣ ص
٦٤ ص
٦٥ ص
٦٧ ص
٦٩ ص
٧١ ص
٧٢ ص
٧٣ ص
٧٤ ص
٧٥ ص
٧٦ ص
٧٧ ص
٧٨ ص
٧٩ ص
٨٠ ص
٨١ ص
٨٢ ص
٨٣ ص
٨٤ ص
٨٥ ص
٨٦ ص
٨٧ ص
٨٩ ص
٩٠ ص
٩١ ص
٩٢ ص
٩٣ ص
٩٥ ص
٩٧ ص
٩٨ ص
٩٩ ص
١٠٠ ص
١٠١ ص
١٠٢ ص
١٠٣ ص
١٠٤ ص
١٠٥ ص
١٠٦ ص
١٠٧ ص
١٠٨ ص
١٠٩ ص
١١٠ ص
١١١ ص
١١٣ ص
١١٥ ص
١١٧ ص
١١٩ ص
١٢٠ ص
١٢١ ص
١٢٢ ص
١٢٣ ص
١٢٤ ص
١٢٥ ص
١٢٦ ص
١٢٧ ص
١٢٨ ص
١٢٩ ص
١٣٠ ص
١٣١ ص
١٣٢ ص
١٣٣ ص
١٣٤ ص
١٣٥ ص
١٣٦ ص
١٣٧ ص
١٣٨ ص
١٣٩ ص
١٤٠ ص
١٤١ ص
١٤٢ ص
١٤٣ ص
١٤٤ ص
١٤٥ ص
١٤٧ ص
١٤٨ ص
١٤٩ ص
١٥٠ ص
١٥١ ص
١٥٢ ص
١٥٣ ص
١٥٤ ص
١٥٥ ص
١٥٦ ص
١٥٧ ص
١٥٨ ص
١٥٩ ص
١٦٠ ص
١٦١ ص
١٦٢ ص
١٦٣ ص
١٦٤ ص
١٦٥ ص
١٦٦ ص
١٦٧ ص
١٦٨ ص
١٦٩ ص
١٧٠ ص
١٧١ ص
١٧٢ ص
١٧٣ ص
١٧٤ ص
١٧٥ ص
١٧٦ ص
١٧٧ ص
١٧٨ ص
١٧٩ ص
١٨٠ ص
١٨١ ص
١٨٢ ص
١٨٣ ص
١٨٤ ص
١٨٥ ص
١٨٦ ص
١٨٧ ص
١٨٨ ص
١٨٩ ص
١٩١ ص
١٩٣ ص
١٩٥ ص
١٩٧ ص
١٩٩ ص
٢٠٠ ص
٢٠١ ص
٢٠٢ ص
٢٠٣ ص
٢٠٤ ص
٢٠٥ ص
٢٠٦ ص
٢٠٧ ص
٢٠٨ ص
٢٠٩ ص
٢١٠ ص
٢١١ ص
٢١٢ ص
٢١٣ ص
٢١٤ ص
٢١٥ ص
٢١٦ ص
٢١٧ ص
٢١٨ ص
٢١٩ ص
٢٢٠ ص
٢٢١ ص
٢٢٢ ص
٢٢٣ ص
٢٢٤ ص
٢٢٥ ص
٢٢٦ ص
٢٢٧ ص
٢٢٩ ص
٢٣١ ص
٢٣٢ ص
٢٣٣ ص
٢٣٤ ص
٢٣٥ ص
٢٣٦ ص
٢٣٧ ص
٢٣٨ ص
٢٣٩ ص
٢٤٠ ص
٢٤١ ص
٢٤٢ ص
٢٤٣ ص
٢٤٤ ص
٢٤٥ ص
٢٤٦ ص
٢٤٧ ص
٢٤٨ ص
٢٤٩ ص
٢٥٠ ص
٢٥١ ص
٢٥٢ ص
٢٥٣ ص
٢٥٤ ص
٢٥٥ ص
٢٥٦ ص
٢٥٧ ص
٢٥٨ ص
٢٥٩ ص
٢٦٠ ص
٢٦١ ص
٢٦٢ ص
٢٦٣ ص
٢٦٤ ص
٢٦٥ ص
٢٦٦ ص
٢٦٧ ص
٢٦٨ ص
٢٦٩ ص
٢٧٠ ص
٢٧١ ص
٢٧٢ ص
٢٧٣ ص
٢٧٥ ص
٢٧٧ ص
٢٧٩ ص
٢٨١ ص
٢٨٢ ص
٢٨٣ ص
٢٨٤ ص
٢٨٥ ص
٢٨٦ ص
٢٨٧ ص
٢٨٨ ص
٢٨٩ ص
٢٩٠ ص
٢٩١ ص
٢٩٢ ص
٢٩٣ ص
٢٩٤ ص
٢٩٥ ص
٢٩٦ ص
٢٩٧ ص
٢٩٨ ص
٢٩٩ ص
٣٠٠ ص
٣٠١ ص
٣٠٢ ص
٣٠٣ ص
٣٠٤ ص
٣٠٦ ص
٣٠٧ ص
٣٠٩ ص
٣١١ ص
٣١٢ ص
٣١٣ ص
٣١٤ ص
٣١٦ ص
٣١٧ ص
٣١٨ ص
٣١٩ ص
٣٢٠ ص
٣٢١ ص
٣٢٢ ص
٣٢٣ ص
٣٢٤ ص
٣٢٥ ص
٣٢٦ ص
٣٢٧ ص
٣٢٨ ص
٣٢٩ ص
٣٣٠ ص
٣٣١ ص
٣٣٢ ص
٣٣٣ ص
٣٣٤ ص
٣٣٥ ص
٣٣٦ ص
٣٣٧ ص
٣٣٨ ص
٣٣٩ ص
٣٤٠ ص
٣٤١ ص
٣٤٢ ص
٣٤٣ ص
٣٤٥ ص
٣٤٦ ص
٣٤٧ ص
٣٤٨ ص
٣٤٩ ص
٣٥٠ ص
٣٥١ ص
٣٥٢ ص
٣٥٣ ص
٣٥٤ ص
٣٥٥ ص
٣٥٦ ص
٣٥٧ ص
٣٥٨ ص
٣٥٩ ص
٣٦٠ ص
٣٦١ ص
٣٦٢ ص
٣٦٣ ص
٣٦٤ ص
٣٦٥ ص
٣٦٦ ص
٣٦٧ ص
٣٦٩ ص
٣٧٠ ص
٣٧١ ص
٣٧٢ ص
٣٧٣ ص
٣٧٤ ص
٣٧٥ ص
٣٧٦ ص
٣٧٧ ص
٣٧٨ ص
٣٧٩ ص
٣٨٠ ص
٣٨١ ص
٣٨٢ ص
٣٨٣ ص
٣٨٤ ص
٣٨٥ ص
٣٨٦ ص
٣٨٧ ص
٣٨٨ ص
الإمام جعفر الصادق (ع) - عبد الحليم الجندي - الصفحة ٨٧ - الفصل الثاني: الرجلان
(١) يروى مالك أنه استدعاه فدخل فوجد عنده ابن أبي ذؤيب (١٥٩) والقاضي ابن سمعان فسأل مالكا عن حكمه (حكم المنصور) هو عدل أم جور؟ فاستعفاه مالك من الجواب.
فسأل ابن سمعان عن حكمه فأثنى عليه. فسأل ابن أبي ذؤيب فأجاب: أنت والله عندي شر الرجال. استأثرت بمال الله ورسوله وسهم ذوي القربى اليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوى. وأمسكت أموالهم. فما حجتك غدا بين يدي الله) قال المنصور: ويحك.
ما تقول: قال: رأيت أسيافا وإنما هو الموت ولابد منه. عاجله خير من آجله.
قال مالك. ثم خرجا وجلست. فقال المنصور: أجد رائحة الحنوط عليك؟ قلت أجل لما نمى إليك عنى ما نمى وجاءني رسولك ظننت أنه القتل... قال: أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا بالله... يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشدا مهديا. وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا. قلت إن يجبرنى على ذلك أمير المؤمنين فسمعا وطاعة.
وإن يخيرني اخترت العافية.... قال انصرف إلى أهلك معافى مكلوءا. فلما أصبحنا أمر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف درهم ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تدفع إلى كل رجل منهم صرة. أما مالك إن أخذها فبسبيله. وإن ردها عليك فلا جناح عليه. وإن كان ابن سمعان ردها، فأتني برأسه وان أخذها فهي عافيته. وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه وإن ردها عليك فسبيله.
قال مالك: أما ابن سمعان فأخذها وسلم. وأما ابن أبي ذؤيب فردها وسلم. وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق.
وروى مالك أنه استدعاه يوما وعبيد الله بن طاووس بن كيسان. وكان طاووس فقيه اليمن حتى مات في سنة ١٠٦ (طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس جد أبى جعفر) قال أبو جعفر: حدثني حديث أبيك. قال عبيد الله حدثني أبي أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه. قال مالك فضممت ثيابي خوفا من أن يصيبني دمه... فقال المنصور ناولني هذه الدواة.. ثلاث مرات. فلم يفعل. قال أبو جعفر لم لا تناولي؟ قال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها. قال: قوما عنى. ذلك ما كنا نبغي. قال مالك فما زلت أعرف لابن طاووس فضله منذ ذلك اليوم.
ويروى الإمام الشافعي حول أساطين جامع عمرو عن عمه محمد بن علي بن شافع مثل ذلك.
عندما قال له ابن أبي أخذت المال من غير حله وجعلته في غير أهله وأن المنصور رد عليه بقوله والله لولا أنا لأخذت أبناء الفرس والروم والديلم هذا المكان منك فوالله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك.
أما عمرو بن عبيد فكان أبو جعفر المنصور يستقبله بالترحاب وينشد في نزاهته الشعر (كلكم يمشى رويد. كلكم طالب صيد. غير عمرو بن عبيد) وهو زعيم المعتزلة الذين يطلقون ألسنتهم في الملوك والصحابة. دخل عليه فقال له (إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تتمخص عن يوم لا ليلة بعده) قال الربيع بن يونس حاجب المنصور: يا عمرو غممت أمير المؤمنين. قال عمرو للمنصور (إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا.
وما عمل وراء بابك بشئ من كتاب الله ولا سنة نبيه) قال أبو جعفر المنصور: فما أصنع قلت لك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني. قال عمرو: لا. أدعنا بعد لك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة أردد منها شيئا نعلم أنك صادق. ولما مات عمرو كان أول واحد من الرعية، وآخر واحد، ينظم في رثائه الخليفة شعرا. ومن أبياته:
وإذا الرجال تنازعوا في شبهة وصل الحديث بحجة وبيان ولو أن هذا الدهر أبقى صالحا أبقى لنا عمرا أبا عثمان والجاحظ من تعصبه لزعيمه يقول فيه (إن عبادته تفي بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين).
وستبقى صلة المعتزلة بالدولة العباسية طويلا بعد وفاة عمرو وأبى جعفر لأن المعتزلة يمدون إلى بنى العباس سببا علميا وسببا سياسيا قالوا: إن واصلا (وهو زعيمهم مع أخي زوجته عمرو ابن عبيد) أخذ أصوله عن أبي هاشم (٩٨) عبد الله بن محمد بن الحنفية - بن علي بن أبي طالب وكان أبو هاشم قدريا مثلهم - ينفى القدر - ويضيفون أن محمد بن علي من عبد الله بن عباس (١) تعلم على أبى هاشم (٢) وتلقى منه الوصية بالإمامة بعده - دون بنى علي بن أبي طالب - عندما أحس أبو هاشم بدنو أجله إذ دس السم إليه سلميان بن عبد الملك.
فسأل ابن سمعان عن حكمه فأثنى عليه. فسأل ابن أبي ذؤيب فأجاب: أنت والله عندي شر الرجال. استأثرت بمال الله ورسوله وسهم ذوي القربى اليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوى. وأمسكت أموالهم. فما حجتك غدا بين يدي الله) قال المنصور: ويحك.
ما تقول: قال: رأيت أسيافا وإنما هو الموت ولابد منه. عاجله خير من آجله.
قال مالك. ثم خرجا وجلست. فقال المنصور: أجد رائحة الحنوط عليك؟ قلت أجل لما نمى إليك عنى ما نمى وجاءني رسولك ظننت أنه القتل... قال: أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا بالله... يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشدا مهديا. وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا. قلت إن يجبرنى على ذلك أمير المؤمنين فسمعا وطاعة.
وإن يخيرني اخترت العافية.... قال انصرف إلى أهلك معافى مكلوءا. فلما أصبحنا أمر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف درهم ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تدفع إلى كل رجل منهم صرة. أما مالك إن أخذها فبسبيله. وإن ردها عليك فلا جناح عليه. وإن كان ابن سمعان ردها، فأتني برأسه وان أخذها فهي عافيته. وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه وإن ردها عليك فسبيله.
قال مالك: أما ابن سمعان فأخذها وسلم. وأما ابن أبي ذؤيب فردها وسلم. وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق.
وروى مالك أنه استدعاه يوما وعبيد الله بن طاووس بن كيسان. وكان طاووس فقيه اليمن حتى مات في سنة ١٠٦ (طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس جد أبى جعفر) قال أبو جعفر: حدثني حديث أبيك. قال عبيد الله حدثني أبي أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه. قال مالك فضممت ثيابي خوفا من أن يصيبني دمه... فقال المنصور ناولني هذه الدواة.. ثلاث مرات. فلم يفعل. قال أبو جعفر لم لا تناولي؟ قال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها. قال: قوما عنى. ذلك ما كنا نبغي. قال مالك فما زلت أعرف لابن طاووس فضله منذ ذلك اليوم.
ويروى الإمام الشافعي حول أساطين جامع عمرو عن عمه محمد بن علي بن شافع مثل ذلك.
عندما قال له ابن أبي أخذت المال من غير حله وجعلته في غير أهله وأن المنصور رد عليه بقوله والله لولا أنا لأخذت أبناء الفرس والروم والديلم هذا المكان منك فوالله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك.
أما عمرو بن عبيد فكان أبو جعفر المنصور يستقبله بالترحاب وينشد في نزاهته الشعر (كلكم يمشى رويد. كلكم طالب صيد. غير عمرو بن عبيد) وهو زعيم المعتزلة الذين يطلقون ألسنتهم في الملوك والصحابة. دخل عليه فقال له (إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تتمخص عن يوم لا ليلة بعده) قال الربيع بن يونس حاجب المنصور: يا عمرو غممت أمير المؤمنين. قال عمرو للمنصور (إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا.
وما عمل وراء بابك بشئ من كتاب الله ولا سنة نبيه) قال أبو جعفر المنصور: فما أصنع قلت لك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني. قال عمرو: لا. أدعنا بعد لك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة أردد منها شيئا نعلم أنك صادق. ولما مات عمرو كان أول واحد من الرعية، وآخر واحد، ينظم في رثائه الخليفة شعرا. ومن أبياته:
وإذا الرجال تنازعوا في شبهة وصل الحديث بحجة وبيان ولو أن هذا الدهر أبقى صالحا أبقى لنا عمرا أبا عثمان والجاحظ من تعصبه لزعيمه يقول فيه (إن عبادته تفي بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين).
وستبقى صلة المعتزلة بالدولة العباسية طويلا بعد وفاة عمرو وأبى جعفر لأن المعتزلة يمدون إلى بنى العباس سببا علميا وسببا سياسيا قالوا: إن واصلا (وهو زعيمهم مع أخي زوجته عمرو ابن عبيد) أخذ أصوله عن أبي هاشم (٩٨) عبد الله بن محمد بن الحنفية - بن علي بن أبي طالب وكان أبو هاشم قدريا مثلهم - ينفى القدر - ويضيفون أن محمد بن علي من عبد الله بن عباس (١) تعلم على أبى هاشم (٢) وتلقى منه الوصية بالإمامة بعده - دون بنى علي بن أبي طالب - عندما أحس أبو هاشم بدنو أجله إذ دس السم إليه سلميان بن عبد الملك.
(٨٧)