كتاب السرائر - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٥٠ - مقدمة المؤلف
قال السيّد : فإن قيل أليس شيوخ هذه الطائفة قد عوّلوا في كتبهم في الأحكام الشرعية على الأخبار التي رووها عن ثقاتهم ، وجعلوها العمدة والحجّة في هذه الأحكام حتى رووا عن أئمتهم عليهمالسلام فيما يجيء مختلفا من الأخبار عند عدم الترجيح كلّه ، أن يؤخذ منه ما هو أبعد من قول العامّة ، وهذا ينقض ما قدّمتموه.
قلنا : ليس ينبغي أن يرجع عن الأمور المعلومة ، والمذاهب المشهورة ، المقطوع عليها ، بما هو مشتبه ملتبس محتمل ، وقد علم كلّ موافق ومخالف : أنّ الشيعة الإمامية تبطل القياس في الشريعة من حيث إنّه لا يؤدّي الى علم ، وكذلك تقول : في أخبار الآحاد حتى أنّ منهم من يزيد على ذلك ، فيقول : ما كان يجوز من طريق العقل أن يتعبّد الله تعالى في الشريعة بقياس ، ولا عمل بأخبار الآحاد ، ومن كان هذا مذهبه ، كيف يجوز أن يثبت الأحكام الشرعية بأخبار لا يقطع على صحتها ، ويجوز كذب رواتها كما يجوز صدقهم؟ وهل هذا إلا من أقبح المناقضة وأفحشها ، والعلماء الذين عليهم المعوّل ، ويدرون ما يأتون ويذرون ما يجوزون لم يحتجّوا بخبر واحد لا يوجب علما ، ولا يقدر أحد أن يحكي عنهم في كتاب ولا غيره خلاف ما ذكرناه ، فأمّا أصحاب الحديث من أصحابنا ، فإنّهم رووا ما سمعوا وبما حدّثوا به ، ونقلوا عن أسلافهم ، وليس عليهم أن يكون حجة ودليلا في الأحكام الشرعية ، أو لا يكون كذلك ، فإن كان في أصحاب الحديث من يحتجّ في حكم شرعي بحديث غير مقطوع على صحته ، فقد زلّ ووهل ، وما يفعل ذلك من يعرف أصول أصحابنا في نفي القياس والعمل بأخبار الآحاد حقّ معرفتها ، بل لا يقع مثل ذلك إلا من غافل ، وربّما كان غير مكلّف.
ألا ترى إنّ هؤلاء بأعيانهم قد يحتجّون في أصول الدين من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة بأخبار الآحاد ، ومعلوم عند كلّ عاقل : أنّها ليست بحجّة في