كتاب السرائر - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٢٠ - من حياة المؤلف قدس سره
عليكم ، ولكان هذا أيضا طريقا الى العلم بتحريمه وارتفاع الشك والتجويز.
فليس متناول العلم هنا متناول الظن على ما يعتقده قوم لا يتأمّلون ، لأنّ متناول الظنّ هنا هو صدق الراوي إذا كان واحدا ، ومتناول العلم هو تحريم الفعل المخصوص الذي تضمّنه الخبر ، وما علمناه غير ما ظننّاه. وكذلك في القياس متناول الظنّ شبه الفرع بالأصل في علة التحريم ، ومتناول العلم كون الفرع محرّما.
وإنّما منعنا من القياس في الشريعة وأخبار الآحاد ـ مع تجويز العبادة ( التعبّد ) بهما من طريق العقول ـ لأنّ الله تعالى ما تعبّد بهما ، ولا نصب دليلا عليهما ، ومن هذا الوجه طرحنا العمل بهما ونفينا كونهما طريقين الى التحريم والتحليل.
قال المرتضى « قدسسره » : « وإنّما أردنا بهذه الإشارة أنّ أصحابنا كلّهم سلفهم وخلفهم ، متقدّمهم ومتأخّرهم يمنعون من العمل بأخبار الآحاد ومن العمل بالقياس في الشريعة ، ويعيبون أشدّ عيب على الراغب إليهما والمتعلّق في الشريعة بهما ، حتى صار هذا المذهب ـ لظهوره وانتشاره ـ معلوما ضرورة منهم وغير مشكوك فيه من أقوالهم ».
وبعد نقل كلام السيد « قدسسره » قال ابن إدريس : « هذا آخر كلام المرتضى « رحمهالله » حرفا فحرفا. فعلى الأدلّة المتقدّمة أعمل وبها آخذ وافتي وأدين الله تعالى ، ولا ألتفت الى سواد مسطور وقول بعيد عن الحق مهجور ، ولا « اقلّد » إلّا الدليل الواضح والبرهان اللائح ، ولا أعرّج الى أخبار الآحاد ، فهل هدم الإسلام إلّا هي.
وهذه المقدّمة أيضا من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا ، ليكون قائما بنفسه ومقدّما في جنسه ، وليغني الناظر فيه ـ إذا كان له أدنى طبع ـ عن أن يقرأه على من فوقه ، وإن كان لأفواه الرجال معنى لا يوصل إليه من أكثر الكتب في أكثر الأحوال » [١].
[١] انظر مقدمة المؤلّف ص ٥١.