كتاب السرائر - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٥ - مقدمة المؤلف
المتأخّر حقّ الفضيلة إذا أتى بالحسن لتأخّره ، وكائن نظر للمتأخّر ما لم يسبقه المتقدّم إليه ولا أتى بمثله : إمّا استحقاقا أو اتفاقا ، فمن العدل أن يذكر الحسن ولو جاء ممن جاء ، ويثبته للآتي به كائنا من كان ، ولا ينظر إلى سبق المتقدّم وتبع المتأخّر ، فإنّ الحكمة ضالة المؤمن على ما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم [١] والخبر المشهور عن أمير المؤمنين عليهالسلام من قوله : انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال [٢]. ولا تغتر أيّها اللبيب وتركن إلى قول ابن الرقاع ، فإنّه ختار ذو خداع ، وقد ذكر عثمان بن جني النحوي في كتاب الخصائص قال : قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : ما على الناس شر أضر من قولهم : ما ترك الأول للآخر شيئا ، وقال الطائي الكبير يقول : من يطرق إسماعه كم ترك الأول للآخر ، بل تمسك بقول أمير المؤمنين عليهالسلام : أعرف الحقّ تعرف أهله [٣] ، وأحسن الحديث والاستشهاد كتاب الله ، فإنّه مدح قوما بقوله ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) [٤] وانّي لأستحسن قول لبيد في هذا المعنى :
| قوم لهم عرفت معد فضلها |
| والفضل يعرفه ذوو الألباب |
وقال ابن الرومي :
| ومستخف بقدر الشعر قلت له |
| لا ينفق العطر إلا عند معطار |
وقال خلاد الأرقط : لقيني ابن مناذر بمكة ، فأنشدني قصيدته : « كلّ حي لاقى الحمام فمودي » ثم قال : اقرأ أبا عبيدة السّلام ، وقل له : يقول لك ابن مناذر : اتق الله واحكم بين شعري وشعر عدي ابن زيد ، ولا تقل ذاك جاهلي وهذا إسلامي ، فتحكم بين العصرين ، ولكن احكم بين الشعرين ودع العصبية.
[١] نهج الفصاحة : كلمة ١٤١٢ [٢] غرر الحكم : ج ١ ، ص ٣٩٤. [٣] الوسائل ، الباب ١٠ من صفات القاضي ، الحديث ٣٢ [٤] سورة الزمر آية ١٨.