أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - أدلّة القول بوجوب المقدّمة
حكم على المقدّمة، والإرادة لا تكفي فيه، بل يكون جعل الحكم لغواً.
قلنا: وجود حكم العقل في مورد لا يوجب لغويّة حكم الشارع في ذلك المورد، كما نلاحظه في حكم الشارع بوجوب الاحسان أو استحبابه وحرمة الظلم ونحوهما، ولذلك قيل (ونعم ما قيل) «إنّ الواجبات الشرعيّة الطاف في الواجبات العقليّة» وبعبارة اخرى: حكم الشارع في موارد حكم العقل يكون تأكيداً لحكم العقل ولا لغويّة في التأكيد، هذا أوّلًا.
وثانياً: لا حاجة في وجوب المقدّمة إلى جعل واعتبار فعلي من طريق الخطابات الأصليّة بل يمكن كشف حكم الشارع من ناحية كشف وجود الشوق والإرادة، أي من ناحية كشف مبادىء الحكم ووجود ملاكه فإنّه يساوق الحكم نفسه كما سيأتي بناءً على قول المنكرين للترتّب من أنّ تزاحم المهمّ مع الأمر بالأهمّ يوجب عدم فعليّة الأمر بالمهم، ولكنّه مع ذلك لا يوجب بطلان المهمّ العبادي بعد ترك الأهمّ لوجود الملاك، فتدبّر جيّداً.
وأمّا الوجه الأوّل: فالجواب عنه أنّه لا إشكال في أنّ الفعل التسبيبي أيضاً يعدّ فعلًا للمولى كالفعل المباشري ويستند إلى المولى، وإذاً كيف يمكن أن يتسامح الفاعل في مقدّمات فعليه، فإن أراد المولى صعود العبد إلى السطح حقيقتاً فلا محالة يريد نصب السلّم وغيره من المقدّمات أيضاً، وإن أراد أمير العسكر من عسكره فتح بلد حتماً وتعلّقت إرادته به حقيقة فسوف تتعلّق إرادته بمقدّماته من تهيئة التداركات وإيجاد النظام بين أفراد العسكر وتهيئة طرح للعمليّات بلا ريب، نعم قد يكون وضوح الإتيان بالمقدّمات للعبد بحيث لا يحتاج المولى إلى مزيد بيان، ولكن لا بمعنى أنّه لا يريدها بل بمعنى أنّه لا يحتاج إلى بيان هذا الأمر لوضوحه.
هذا كلّه في الدليل الأوّل على وجوب المقدّمة، وقد ظهر أنّه تامّ في محلّه.
الأمر الثاني: ما ذكره بعضهم من أنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول مولويّاً: «ادخل السوق وإشتر اللحم» مثلًا بداهة أنّ الطلب المنشأ بخطاب «ادخل» مثل المنشأ بخطاب «اشتر» في كونه بعثاً مولويّاً، فحيث تعلّقت إرادته بشراء اللحم ترشّحت منها له إرادة اخرى بدخول عبده السوق بعد الالتفات إليه وأنّه يكون مقدّمة له كما لا يخفى.
أقول: قد ظهر ممّا ذكرنا في مقام الدفاع عن الوجه الأوّل ضعف ما أُورد على هذا الوجه في المحاضرات من أنّ الوجدان حاكم على الخلاف للزوم اللغويّة فتدبّر، فإنّك قد عرفت: