أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - أمّا المقام الثاني و هو البحث عن الضدّ الخاصّ كالصّلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدَين
وإن شئت قلت: وجود البياض ملازم لعدم السواد إلّاأنّه يصدق عليه عدم السواد، وكم فرق بين الملازمة وبين صدقه عليه.
هذا، وقد ظهر إلى هنا أنّه لا يمكن إثبات أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ لا من طريق مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر ولا من طريق وجود التلازم بينهما، ولكن لنا في المسألة بالنسبة إلى مسلك المقدّميّة تفصيل فنقول: ربّما يكون الضدّان فعلين قائمين بشخص واحد، فلا إشكال في أنّ ترك أحدهما ليس مقدّمة لوجود الآخر بل إرادة أحدهما يلازم ترك الآخر قهراً، فمثلًا حصول الجلوس ليس متوقّفاً على ترك القيام بل يحصل الجلوس وينعدم القيام في عرض واحد وفي رتبة واحدة بإرادة الجلوس فقط، كما أنّ تحقّق النوم لا يكون متوقّفاً على اعدام اليقظة في الرتبة السابقة بل تنعدم اليقظة ويحصل النوم بإرادة النوم فقط.
وإن شئت قلت: إذا حصل الداعي لأحدهما يحصل الصارف عن غيره في رتبة واحدة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الضدّان فعلين قائمين بشخصين كإشغال محلّ خاصّ من المسجد، فإنّه لا يمكن إشغال زيد له إلّابترك إشغال عمرو له، أو كانا فعلين قائمين بشخص واحد ولكن المحلّ واحد وموضوع خارجي فلا يمكن أن يملأ إناء الماء مثلًا من اللبن بدون فراغه من الماء، وهكذا كتابة شيئين في لوح واحد فلا يمكن كتابة أحدهما إلّابعد محو الآخر، فهنا يكون عدم أحدهما مقدّمة للآخر.
إن قلت: لازم هذا- التفريق بين الضدّين اللّذين كان أحدهما موجوداً من قبل، وما ليس كذلك، فالمقدّميّة حاصلة في الأوّل دون الثاني، أي أنّها موجودة رفعاً لا دفعاً.
قلنا: عدم وجود أحد الضدّين من قبل في القسم الأخير لا يلازم عدم كونه مقدّمة، بل لازمه حصول المقدّمة من قبل، ففراغ الإناء من الماء لقبول اللبن ليس دليلًا على أنّ عدم الماء فيه لا يكون مقدّمة للبن، بل معناه حصول المقدّمة من قبل، وهو واضح.
وإلى ما ذكرنا يشير ما هو المعروف في محلّه من «أنّ التخلية قبل التحلية»، نعم إنّ الأمثلة المتداولة في كلمات القوم في المقام كمثال الصّلاة والإزالة إنّما هي من القسم الأوّل، ولعلّ ملاحظة هذه الأمثلة أوجبت إنكار المحقّقين للمقدّميّة في مطلق الأضداد، فتدبّر جيّداً حتّى تعرف الفرق بين الموردين فإنّه دقيق.