أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٠ - الأمر الرابع الكلام في الطهارات الثلاث
وأمّا الإشكال الثالث، أي إشكال الدور.
ففيه: إنّا نسلّم كون عباديّة الطهارات متوقّفة على قصد الأمر، ولكن توقّف قصد الأمر على عباديّة الطهارات إنّما يوجب الدور فيما إذا كان المتوقّف عليه عباديتها في الرتبة السابقة على الأمر أو المقارنة معه، مع أنّه عبارة عن اجتماع شرائط العبادة حين الامتثال، أي إن تعلّق أمر المولى بها لا يحتاج إلى كونها عبادة حين الأمر بل إنّه يأمر بها لاجتماع شرائط العبادة فيها حين الامتثال، وذلك نظير توقّف الأمر على قدرة المكلّف على الفعل، فإنّه ليس معناه لزوم القدرة على الفعل حين الأمر بل تكفي قدرته حين الامتثال، فلو كان العاجز ممّن يقدر على العمل بعد أمر المولى وحين الامتثال كان للمولى أن يأمره. ولذلك قد يقال: إنّ القدرة شرط للإمتثال لا للتكليف.
هذا كلّه بناءً على شرطيّة قصد الأمر في عباديّة العبادة، وأمّا بناءً على ما مرّ في مبحث التعبّدي والتوصّلي من أنّها ليست منوطة بقصد الأمر فالأمر أوضح وأسهل.
الوجه الثاني: ما أفاده الشّيخ الأعظم رحمه الله وتبعه المحقّق الخراساني رحمه الله وكثير من الأعاظم (وهو جيّد لا غبار عليه) وحاصله: أنّ الطهارات عبادات في أنفسها مستحبّات في حدّ ذاتها، فعباديتها لم تنشأ من ناحية الأمر حتّى يلزم الدور.
ولكن قد أورد عليه بوجوه أهمّها وجهان:
الأوّل: أنّ هذا تامّ في الوضوء وقد يقال به في الغسل أيضاً، وأمّا التيمّم فلم يقل أحد باستحبابه النفسي.
ويمكن الجواب عنه: بأنّه بعد أن لم يكن إجماع على عدم مطلوبيّة التيمّم ذاتاً يكفي في إثباتها له ما ورد في الرّوايات من «أنّ التراب أحد الطهورين» إذا انضمّ إلى ما يستفاد من إطلاقات الباب من أنّ المستحبّ إنّما هو الكون على الطهارة في نفسه.
توضيح ذلك: أنّه قد ذكرنا في محلّه في الفقه من أنّ معنى كون الوضوء مستحبّاً نفسيّاً ليس هو مطلوبيّة الغسلتان والمسحتان فيه، بل المطلوب ذاتاً إنّما هو الكون على الطهارة الذي يترتّب على الغسلتان والمسحتان، ويعدّ غاية للوضوء، وأنّه هو المقدّمة والشرط للصّلاة في الحديث المعروف
«لا صلاة إلّابطهور»
، ولا إشكال في أنّ مقتضى قوله عليه السلام
«إنّ التراب أحد الطهورين»
أنّ وزان التيمّم هو وزان الوضوء وأنّ كلّ ما يترتّب على الوضوء يترتّب على