أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٣ - نقد كلام التهذيب
وثانياً: الآيات والرّوايات الواردة في هذا المجال، فمن الآيات مضافاً إلى ما مرّ آنفاً قوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ» وقوله: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» وقوله: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً»، ومن الرّوايات أيضاً مضافاً إلى ما مرّ آنفاً ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». هذا بالنسبة إلى الحكم الفعلي، وأمّا بالنسبة إلى الحكم الإنشائي فيمكن أن يقال بعدم كونه مقيّداً بالقدرة، وكذا الكلام بالنسبة إلى العلم فإنّه من شرائط الوجوب بالنسبة إلى مقام الفعليّة وإن كان الحكم الإنشائي مطلقاً من هذه الجهة شاملًا للعالم والجاهل، فراجع ما ذكروه في باب الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري تجده شاهداً على هذا المعنى.
الموقع الرابع: في استشهاده لعدم أخذ القدرة قيداً في الحكم بجريان البراءة عند الشكّ فيها- فإنّه قد اجيب عنه في محلّه من أنّه وإن كانت القاعدة عند الشكّ في التكليف البراءة، ولكن العقلاء يجرون الاحتياط في خصوص الشكّ في القدرة من دون لزوم قبح العقاب بلا بيان، لأنّ جريان البراءة في موارد الشكّ في القدرة يستلزم تعطيل أغراض المولى وعدم الحصول عليها في كثير من الموارد، ومن هذا الباب الاحتياط ولزوم الفحص لتشخيص النصاب وحصول الاستطاعة وموضوع الخمس، وبالجملة إنّ بناء العقلاء مبنيّ على جريان الاحتياط عند الشكّ في القدرة، نظير جريانه في الشبهات قبل الفحص، فوجوب الاحتياط في هذه الموارد مستند إلى قاعدة عقلائيّة لا إلى عدم أخذ القدرة في المأمور به.
الموقع الخامس: فيما أفاده في المقدّمة السابعة من «أنّ المحال هو طلب الجمع بين الضدّين لا الأمر بالضدّين» ففيه: إذا كان الأمر أنّ المتعلّقان بالضدّين مطلقين ولم يكن أحدهما مشروطاً بترك الآخر كان لازمه طلب الجمع كما إذا قال المولى لعبده: «انقذ هذا وانقذ هذا» لأنّ المفروض أنّ لكلّ واحد منهما بعثاً يخصّه، والجمع بين البعثين في آنٍ واحد محال.
الموقع السادس: فيما أفاده في آخر كلامه من «حكم العقل بالتخيير في صورة تساوي متعلّقي التكليفين في المصلحة، وأمّا إذا كان أحدهما أهمّ فإن اشتغل بإتيان الأهمّ فهو معذور في ترك المهمّ وإن اشتغل بالمهمّ فقد أتى بالمأمور به الفعلي لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهمّ» فهو حقّ ولكن لا يكون الترتّب إلّاهذا، فإنّ عدم عقابه بترك المهمّ عند الاشتغال بالأهمّ مع عقابه في صورة العكس يكون من آثار الترتّب، بل عند التحليل لا يكون إلّاالأمر بشيئين على سبيل الترتّب.