أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٦ - الأمر الأوّل في أدلّة القولين
في المعاني المتعدّدة، فظهر من جميع ذلك أنّ هذا النوع من الوضع ممّا لا غبار عليه.
بقي هنا شيء:
وهو أنّ هذا الاستعمال هل يكون حقيقة أو مجازاً؟
ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى أنّه نوع ثالث من الاستعمال (لا حقيقة ولا مجاز) والميزان في صحّته استحسان الطبع، وقال: «دلالة اللفظ على المعنى في هذا الاستعمال بنفسه لا بالقرينة وإن كان لا بدّ حينئذٍ من نصب قرينة إلّاأنّه للدلالة على ذلك (على كونه في مقام الوضع) لا على إرادة المعنى كما في المجاز» [١].
أقول: الظاهر أنّه لا بدّ في هذا الاستعمال من نصب قرينتين: قرينة على كون المستعمل في مقام الوضع، وهذا ما اعترف به المحقّق الخراساني رحمه الله أيضاً، وقرينة على استعمال اللفظ في المعنى الجديد كالإشارة إلى المولود مثلًا عند قوله: «ائتني بالحسن» لأنّه مع عدم نصب هذه القرينة لا يفهم المعنى من اللفظ كما هو واضح، وحينئذٍ إمّا أن لم يكن اللفظ قبل هذا الوضع موضوعاً لمعنى آخر، فيكون الحقّ عندئذٍ مع المحقّق المذكور من أنّه ليس حقيقة ولا مجازاً، أو كان قبل هذا موضوعاً لمعنى آخر فيكون استعماله في المعنى الجديد استعمالًا في غير الموضوع له فيكون مجازاً، فكلام المحقّق بإطلاقه غير مرضيّ.
ثمّ يبقى الكلام في أنّ الألفاظ الدائرة في لسان الشرع للُامور المستحدثة هل وضعت لها بالوضع التعييني بأحد نوعيه، أو التعيّني؟
ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى الأوّل وقال: «دعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّاً ومدّعى القطع به غير مجازف قطعاً» [٢].
ولكنّه دعوى بلا بيّنة وقول بلا برهان، والصحيح حصوله من طريق خصوص الوضع التعيّني فإنّ هذا هو ما نجده بوجداننا العرفي، فاختبر نفسك في الأوضاع الجديدة في حياتنا الاعتياديّة فإنّك تشاهد عندك ألفاظاً وضعت لمعان جديدة بكثرة الاستعمال كلفظ «الشيطان الأكبر» و «المستضعف» و «المستكبر» و «الطاغوت» إلى غير ذلك من الألفاظ المتداولة اليوم
[١] كفاية الاصول: ص ٢١، الطبع الجديد.
[٢] نفس المصدر.