أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - ثمرة المسألة
والمفروض زواله بقاءً.
قلنا: الموضوع للقضيّة المتيقّنة إنّما هو عنوان المكلّف، وأمّا الاستطاعة فهي تعدّ من حالات الموضوع لا مقوّماته، وعنوان المكلّف باقٍ على الفرض، وسيأتي في مباحث الاستصحاب تعيين الملاك في كون شيء من حالات الموضوع أو مقوّماته.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأصل العملي، وهو البراءة في موردين والاستصحاب في مورد واحد.
أمّا الأصل اللّفظي: فيدور الأمر فيه في الواقع مدار إطلاق المادّة وإطلاق الهيئة وأنّه هل يقدّم إطلاق الهيئة على إطلاق المادّة حتّى تكون نتيجته رجوع القيد إلى المادّة وكون الشرط شرطاً للواجب، أو يكون المقدّم إطلاق المادّة فيرجع القيد إلى الهيئة ونتيجته كون الشرط شرطاً للوجوب؟
ذهب الشّيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله إلى تقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادّة، ويمكن الاستدلال له بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ إطلاق الهيئة شمولي وإطلاق المادّة بدلي، ومن المعلوم أنّ الإطلاق الشمولي ممّا يقدّم على البدلي، فإذا شككنا مثلًا في قوله تعالى: «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» أنّ قيد الاستطاعة يرجع إلى هيئة «للَّه على الناس» التي مفادها وجوب الحجّ، أو يرجع إلى المادّة (وهي الحجّ) قدّمنا إطلاق الهيئة، وصارت النتيجة وجوب الحجّ مطلقاً مع اشتراط صحّته بالاستطاعة، يعني يجب تحصيل الاستطاعة له.
الوجه الثاني: أنّ تقييد الهيئة ممّا يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة بخلاف العكس، أي لا يبقى مع تقييد الهيئة محلّ لاطلاق المادّة فإذا فرض تقييد مفاد الهيئة وهو الوجوب بالاستطاعة مثلًا فلا يبقى محلّ لاطلاق الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة، إذ الحجّ لا ينفكّ عن الاستطاعة فيقيّد بتقييد الوجوب قهراً، بخلاف ما إذا فرض تقييد الحجّ بالاستطاعة، فيبقى معه مجال لاطلاق الوجوب، وذلك لجواز تقييده حينئذ بالاستطاعة، ومن المعلوم أنّه كلّما دار الأمر بين تقييدين أحدهما يبطل محلّ الإطلاق في الآخر دون العكس كان العكس أولى، لأنّ التقييد وإن لم يكن مجازاً ولكنّه خلاف الأصل، ورجوع القيد إلى المادّة لازمه ارتكاب خلاف واحد للأصل لأنّه تقييد واحد، ورجوع القيد إلى الهيئة لازمه ارتكاب خلافين للأصل لأنّه يرجع إلى تقييدين.