نظرات معاصرة في القرآن الكريم - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٩٦ - تحريم الخمر في القرآن الكريم

وآية الأعراف مكية سبقت هذه الآية المدنية ، والإثم هناك منصوص عليه إما بإعتباره خمراً ، وإما بإعتبار الآية تحرم مطلق الاثم ، والخمر أجد مصاديق هذا الاثم. وفي هذه الآية على إقتراف الاثم ، وإقتراف الاثم من المحرمات ، فالخمر حرام بدلالة الآيتين معاً. وهذا مَعلَمٌ دقيق المسلك.

رابعاً : ولدى تجاوز المسلمين ـ بعضهم بالطبع ـ بعض هذه التعليمات الصريحة في دلالتها نزل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) [١] وفي الآية نهي صريح عن مقاربة الصلاة حال السكر متلبسين بذلك ، وفيه إشارة إلى تحريم السكر قبل الصلاة لأن الاتجاه بالصلاة إلى الله ينافيه ابطال العمل بالسكر ، فالمعنى ليس لكم أن تسكروا وتتجهوا إلى الصلاة ، فللصلاة مقام عظيم في نهج المرء التعبدي ، وهذا المقام ينبغي أن يضل ملازماً للطهارة الروحية والبدنية ، والسيطرة في تخليص النفس من الرجس العارض لتلك الطهارة إنما يتم بالعقل المسيطر في إدراك علماً يقينياً بعيداً عن التلوث والتدرن بسكر الخمر ، فإذا لم يعلم ما يقول ، وقد فقد أعز ما يملك وهو العقل الدال على إرادة فعل الصلاة إمتثالاً للأمر المولوي فلا معنى لتلك العبادة الفاقدة لشرائطها في الانتهاء عن الخمر ، فإذا هم انتهوا عن ذلك ، وطهروا نفوسهم عن شربها ، ولا معنى لامتثال أمره تعالى مع عبادة غيره ، لا سيما وأن هذه العبادة بالذات تقتضي حضور القلب ، ولا حضور لغائب العقل حتى يعلم ما يقول ، وكيف له أن يعلم ما يقول وهو يعاقر الخمرة التي تذهب بالعقول.

وليس المراد أن الصلاة قد تصح من السكران لو علم ما قال ، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين بل على العكس.

قال الطبرسي « وفي الآية دلالة على أن السكران لا تصح صلاته ، وقد حصل الاجماع على أنه يلزمه القضاء » [٢]. وقد تأتي سكارى بالمعنى


[١] النساء : ٤٣.

[٢] الطبرسي ، مجمع البيان : ٢ / ٥٣.